ظهر الإصرار الأوروبي والأمريكي على طرح مشروع القرار بشأن سورية على مجلس الأمن كنوع من الفرز الدولي؛ أكثر من كونه اقتناعا بأن نتائج التصويت ستغير الحسابات أو المعادلات، ورغم أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعتبر قبل ساعات من انعقاد مجلس الأمن أن ما يريده البعض هو "فضيحة" داخل المجلس، لكن القرار عُرض ليشهد من جديد فيتو مزدوج، في المقابل سارع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي باقتراح تشكيل مجموعة اتصال بشأن سورية تذكرنا، رغم اختلاف ظروف الأزمتين، بـ"مجموعة الاتصال" التي ظهرت عشية الأزمة الليبية.

لكن التحركات السياسية بدأت تنطلق من مساحات جديدة، على الأخص مع الإعلان عن زيارة لوزير الخارجية الروسي يرافقه مدير هيئة الاستخبارات الخارجية الروسية ميخائيل فرادكوف الى دمشق يوم الثلاثاء القادم، وهي زيارة تحمل مؤشرات جديدة على تحركات على مستوى مختلف بشأن الوضع السوري، حيث تتحدث مصادر روسية أن موسكو وبعد جلسة مجلس الأمن الأخيرة تنظر إلى الآليات السياسية القادمة وفق ثلاث خطوط أساسية:

الأولى هي التعامل بجدية مع نوعية الحشد الدبلوماسي ضدها نتيجة مواقفها من دمشق، وهذا يعني أن حل الأزمة أصبح قضية روسية بامتياز وأن أي تطور سيمس سياستها على المستوى الدولي، فتحركاتها اليوم لم تعد فقط باتخاذ زمام المبادرة على الصعيد الدولي بل أيضا في المشاركة بالخيارات المطروحة على المستوى السوري الداخلي، وعلى الأخص أن طرحت مسألة الحوار على أراضيها، لكن الاستقطاب الدولي يطرح مشكلة أساسية مرتبطة في نوعية انحيازها لسيناريو دون آخر، بينما تتجه بعض أطراف المعارضة نحو خيارات قصوى في مسألة "إنهاء النظام" في سورية. الثاني التعبير عن خطورة الوضع الذي تمثله سورية ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضا على مستوى الآليات الدولية، فانقسام المجتمع على مستوى الأزمة السورية يعني في النهاية أن هناك بيئة دولية صاعدة وهو أمر على مستوى التجارب الإنسانية كان يحمل معه حروب تؤدي لتوازن دولي جديد. الثالث الانتقال إلى مستوى التعامل الإقليمي المباشر، وذلك في موازاة الاقتراح الفرنسي لإنشاء "مجموعة عمل"، فالرهان الروسي اليوم على أن إعلان مواقف واضحة من قبل موسكو سيؤدي إلى خلخلة على مستوى الدول العربية على الأقل، فهناك حامل جديد استراتيجي للمنطقة بموازاة العامل الأوروبي – الأمريكي، فالاستقطاب الاحق ربما سيظهر على المستوى العربي والشرق أوسطي عموما. الصيغة الموازية للعمل الروسي التي أطلقها الرئيس ساركوزي ستحاول التأثير على مستوى الجبهة التقليدية سواء باتجاه دول الخليج أو باقي الحلفاء في القارة العجوز، ورغم الصيغة "الرومانسية" للمشروع الفرنسي من خلال تسميتها "أصدقاء الشعب السوري"، لكن الواضح فيها هي التعامل من جديد خارج إطار مجلس الأمن في مواجهة سياسية قاسية ستطال كافة النواحي المرتبطة بالمنطقة وعلى الأخص لبنان، فالتحرك الأوروبي – الأمريكي ضد سورية غالبا ما يتعامل مع الوضع اللبناني كبوابة للدخول إلى دمشق، ومن الصعب على مثل هذا التحرك في ظل التشابك الفرنسي – التركي استخدام تركيا لمثل هذا الأمر على الأخص بعد الخلافات الحادة بين أنقرة وباريس حول موضوع مذابح الأرمن.

هذه التطورات ستنعكس داخليا، فجلسة مجلس الأمن وقبيل انعقادها أشعلت الجباهات في سورية، سواء في حمص أو ريف دمشق أو حتى في منطقة أدلب، وبعد الفيتو أيضا تم تحريك عدد من المناطق، وهو ما يوحي بمعارك جديدة وقاسية يتم فيها اختبار قدرة دمشق على السيطرة وضبط "حركة المسلحين" على أراضيها، وربما لهذا الأمر بالذات فإن زيارة وزير الخارجية الروسية ليست سياسية فقط، بل هي أمنية أيضا بوجود مدير هيئة الاستخبارات الخارجية، فالخارطة السياسية السورية اليوم تتشكل وفق ظرف قسري من الصعب تقديره وفق حسابات "القوى السياسية" فقط، بل أيضا مع إمكانية رصد طبيعة "التمرد المسلح" الذي يظهر غالبا على المناطق الحدودية.