لم ننته من الحديث عن الفيدرالية حتى جاء مصطلح "تقرير المصير" ليشكل ثنائية في خطاب سياسي ممزوج بالدم ورائحة الموت. وحق تقرير المصير الذي أقرته الشرائع الدولية يبدو اليوم أنه اتخذ شكل الحق الإلهي الذي يرتسم على مساحة من الرفض المطلق لأي لون جديد سواء للعراق أو غيره.

ربما يحق للأكراد في العراق أن يفرحوا بدستور احتوى ضمنا مسألة حق تقرير المصير، وربما يحق لنا أيضا أن نبدأ بتشكيل أسئلتنا حول هذا المفهوم الذي يطل علينا في كل لحظة، وطالما استخدمناه في خطابنا السياسي.

بقي "تقرير المصير" حقا نظريا وخلافيا عندما يتم رسمه أو تحديد أشكاله النهائية، على الأخص عندما يرتبط بمسألة الفيدرالية، ورغم أن المسألة لا تحتاج اليوم لتنظيرات سريعة، لكن هناك العديد من الأمثلة الحاضرة انطلاقا من إقليم الباسك في أوروبا وصولا إلى منطقة الكوبيك في كندا ومرورا بالعديد من دول البلقان وآسيا الوسطى.

الخوف الحقيقي ليس من طروحات "حق تقرير المصير" لأكراد العراق، فالقضية لا تتعلق بطموحاتهم أو تصورهم لمستقبلهم إنما بعدم وجود صيغة توافقية كاملة لدولة العراق، فما يحدث اليوم يشكل أيضا تكرارا لتجربة الدولة الاستبدادية، حيث يتم رسم الحساب السياسي بناء على قياس من هزم أو من لا يستطيع اليوم التعبير عن نفسه.

معظم الدول الشرق أوسطية التي ظهرت في القرن العشرين اتهمت بالاستبدادية لأنها غيبت قسما كبيرا من المجتمع، وهذا الخطأ التاريخي الذي ظهر نتيجة لاعتقادات سياسية معينة يتم تكراره اليوم على قاعدة معتقدات جديدة.

مسودة الدستور العراقي ستطرح للاستفتاء، والمسألة ليست في مصداقية هذا الاستفتاء بل في طبيعة البناء السياسي المؤهل للظهور ... والمعضلة ليست في الفيدرالية وحق تقرير المصير، ولكن في أن يتم بناء هذه القضايا على حساب جزء من المجتمع مهما صغر .. لأننا لا نريد تكرار تجارب ماضية.