نستخدم تعبيرا يثير الجدل في الولايات المتحدة، فالقوة الذكية نظرية يدعى أصحابها أنها الأمثل من نظرية النشوء والارتقاء ... والرئيس الأمريكي يفضل حسب تصريحاته أن تدرس هذه النظرية في المدارس. ولكن "القوة الذكية" ليست نظرية معرفية بل هي "حقيقة" في أذهان مجتمعات تكرر التاريخ وتحلم باستهلاكه مستقبلا. حادث جسر الأئمة في العراق كان مثالا لهذه القوة الذكية التي فضلت إنهاء حياة الملايين، على إبقائهم كبشر يتقاسمهم التاريخ والأئمة المحدثين وطبول حرب المحافظون الجدد، فكانت أن أرسلت القوة الذكية شائعة تسري وتدفع نحو الموت. وهذه القوة الذكية ربما هي التي أقنعت صدام حسين بالتضحية بالعراق على حساب أمر لا تعرفه سوى هذه "القوة الذكية".

ومن سير الحدث اليومي يبدو أن استخدام القوة الذكية في مجتمعنا يختلف عن "الغرب الأمريكي"، فهي ليس جدلا يدخل إلى المؤسسات، بل اختراق للتفاصيل يدفع البعض للاستشهاد، ويترك البعض الآخر يؤسس الأحزاب الليبرالية المستندة إلى الشريعة. ويترك أيضا الرئيس المصري يحرر طاقة شعبه في انتخابات رئاسية وفق قوانين الخليفة أو ربما أشد صرامة منها.

"القوة الذكية" اليوم تشكل أيضا جدل في الشارع السوري ما بين الإصلاح والفساد أو ما بين قانون الأحزاب والتدابير الحكومية أو حتى إغلاق التضييق على النشطاء السياسيين وانتشار المنابر التراثية، وهذا الجدل يضع "القوة الذكية" في مقدمة أي حديث لأنها تعتمد على الوصف واعتبار أن ما يحدث لا مناص منه.

ماذا لو اعتمدنا التطور والارتقاء بدلا من القوة الذكية؟ أو لماذا لا تخضع هذه القوة لنفس الجدل الدائر حول السلطة السياسية وقانون الطوارئ ... "القوة الذكية" هي مرجعية معرفية اجتماعية اليوم، وهي ليست مسؤولة عن كوارثنا ... هي مجرد نظرية في الولايات المتحدة كغيرها من النظريات التي تظهر وتغيب، لكن أن تصبح قضاء وقدرا ... ويصبح الزمن بيدها وعلينا الانتظار .. فهذا الأمر ربما يشكل أكبر إشارة استفهام ليس في حاضرنا فقط بل في تراثنا وتاريخنا المكتوب بـ"القوة الذكية" ....