منذ استلم الحزب الاشتراكي الديموقراطي بالتحالف مع الخضر، الحكم عام 1998، اصبح من المألوف سماع اتهامات و "شتائم" متبادلة بين برلين وواشنطن، غير ان ما هو غير مألوف ان تصدر الاتهامات هذه المرة على لسان محافظ، اشتهر تياره بمغازلة الولايات المتحدة وتأييد سياساتها. هذه المفارقة ظهرت بشكل لافت مؤخراً، حين دعا وزير الشؤون الاجتماعية في ولاية بادن فيرتنبرغ الالمانية الجنوبية اندرياس رينر، من الاتحاد الاجتماعي المسيحي، الى اعدام الرئيس الأميركي جورج بوش، بسبب سوء تعامله مع كارثة اعصار كاترينا، في وقت تراهن الولايات المتحدة على علاقات مميزة مع برلين، في حال فوز انجيلا ميركل رئيسة الاتحاد المسيحي الديموقراطي، بمنصب المستشار في الانتخابات المبكرة القادمة.

وفي الواقع مرت العلاقات الأميركية الالمانية في عهد الاشتراكيين بفتور لافت، خصوصاً، بعد رفض برلين المشاركة في حرب العراق وتشكيلها مع باريس وموسكو، وفيما بعد مدريد، حلف المعارضة ضد ارسال جنود الى العراق. وأعاد تصريح الوزير المحافظ، ملف المناوشات بين الحزب الحاكم والمعارضة الى الواجهة، خصوصا حين شبهت وزيرة العدل السابقة هيرتا دويبلر (اشتراكية ديموقراطية) بوش بهتلر، عام 2002. الامر الذي حمل النواب المحافظين على مطالبتها بالاستقالة؛ وهكذا تكررت الصورة بشكل معاكس حيث عمدالنواب الاشتراكيون إلى المعاملة بالمثل من خلال دعوتهم الوزير المحافظ للاستقالة، رغم انه تراجع عن تصريحه وأوضح انه قصد إعدامه سياسياً وليس جسدياً.

وكانت المشكلات بين البلدين، قد استفحلت لتصل الى ذروتها مع تصريح المستشار في وزارة الدفاع الأميركية، ريتشارد بيرل الذي دعا المستشار الالماني غيرهارد شرودر الى الاستقالة كشرط لتحسن العلاقات. ولم يكتف المسؤول الأميركي بالتدخل في شأن الماني داخلي بل ذهب أبعد من ذلك باطلاقه تهديدا غير مباشر مفاده حرمان برلين من مقعد دائم في مجلس الامن بسبب الموقف من الحرب ضد العراق. من اللافت ان العلاقات مع الولايات المتحدة، هي احدى القضايا المهمة التي تتجاذبها برامج الأحزاب الالمانية. فالحكومات اليمينية المحافظة كانت دائما، تنتهج سياسة خارجية أكثر تبعية للسياسة الأميركية في المنطقة. أما الحكومات ذات التوجه اليساري فانها تحاول الخروج بسياستها من تحت العباءة الأميركية، التي تتحكم بقرار برلين منذ انتهاء الرايخ الثالث عام 1945 (طبعا القسم الشرقي كان تحت الوصاية السوفياتية سابقا) ففي هذا السياق، لم يخف الحزب المحافظ نيته في التركيز على "العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة الأميركية وتنشيط آليات التعاون مع الحليف الأطلسي الاكبر. ولطالما كررت انجيلا ميركل، رئيسة الحزب المسيحي الديموقراطي، دعمها لسياسة الولايات المتحدة، هذا الدعم الذي تسبب لها بالنقد الشديد حتى من بين صفوف حزبها.

أما تحالف الاشتراكيين والخضر فيميل اكثر الى تحقيق قناعات الخضر على الارجح، فهؤلاء هم عبارة عن تشكل يضم يساريين سابقين (على رأسهم رئيس الحزب يوشكا فيشر، الذي عرف عنه تورطه في حماية بعض اعضاء منظمة بادر مينهوف اليسارية، التي نشطت في بداية السعبينات)، وأنصار البيئة الذين يرفضون سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بقضية الاحتباس الحراري، وتسببها في التلوث نتيجة عدم استخدامها للطاقة البديلة. كمايرفض التياران، طريقة واشنطن في التعاطي مع قضايا دولية اخرى مثل القضية الفلسطينية. والاهم من ذلك عدم اللجوء الى التدخل العسكري في حل النزاعات. لذلك كان موقف الخضر واليسار في المانيا ليس فقط معارضة احتلال العراق بل حتى معارضة تحليق الطائرات الأميركية في الاجواء الالمانية، والتي عرّضت شرودر للانتقادات واتهامه بالكذب فيما يتعلق معارضة الحرب. ولكن كثيرا من الامور تبقى ثانوية أمام قضية رفض واشنطن المتكرر منح المانيا مقعدا دائما في مجلس الامن. هذا الرفض، الذي يبقى مؤشرا واضحا على استمرار فتور هذه العلاقات، التي لم تتحسن رغم ما قيل اثناءالزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، والتي كان ابرزها زيارة شرودر الى واشنطن. فعلى ما يبدو ان تبادل الابتسامات مع الرئيس الأميركي امام عدسات المصورين في البيت الأبيض، والغزل الحاصل بين العاصمتين بشأن نسيان المشكلات الناتجة عن حرب العراق، كلها لم تساهم سوى في إذابة بعض الجليد. ولم تصل بالعلاقة الى الوضع الطبيعي. وعلى ما يبدو فان تصريح الوزير المسيحي المحافظ لن يشكل عائقا امام تحسن العلاقات في حال فوز حزبه في الانتخابات وحصول ميركل على منصب المستشار. لكن حسب توقعات المراقبين لن يدفع هذا التحسن المستشارة الجديدة الى الموافقة على ارسال جنود الى العراق لان ذلك قد يعني انتحارها سياسياً، في بلد يرفض غالبية مواطنيه دفع الدماء من اجل النفط.

مصادر
المستقبل (لبنان)