واشنطن وباريس ولندن ترغب في تحديد مهلة لسوريا واصلت الولايات المتحدة، عشية تقديم المحقق ديتليف ميليس تقريره في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري رسميا الى مجلس الامن الذي سيناقش في حضوره اليوم، جهودها الرامية الى ارغام سوريا على التعاون مع التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن الاغتيال، وهو موقف اختصره المندوب الاميركي الدائم لدى الامم المتحدة السفير جون بولتون بقوله: "لقد حان وقت الاعترافات للحكومة السورية. ولم يعد ثمة مجال للعرقلة". واعلنت وزارة الخارجية الاميركية ان مجلس الامن سينعقد في جلسة خاصة الاثنين المقبل على مستوى وزراء الخارجية، لمناقشة "الاجراء" الواجب اتخاذه في ضوء تقرير ميليس. ومن المتوقع ان يقدم مبعوث الامين العام للامم المتحدة تيري رود – لارسن تقريره الاثنين المقبل عن تطبيق القرار 1559. ويعتقد ان سيشكك في تعاون سوريا في تطبيقه في ضوء التقارير التي تتحدث عن دور سوري في تهريب السلاح والعناصر الى المخيمات الفلسطينية في لبنان. اما في سوريا، فقد تظاهر عشرات الالاف في دمشق وحلب ضد الاتهامات الموجهة الى مسؤولين سوريين في تقرير ميليس.

وقالت مصادر اميركية مطلعة لـ"النهار"، ان الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تعمل الان على صوغ مشروع قرار سترعاه الدول الثلاث يطالب سوريا بالتعاون الكامل والشفاف مع تحقيق ميليس خلال فترة زمنية محددة، وفي حال رفضها ذلك، التهديد بفرض عقوبات بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. واضافت ان الاتصالات الاميركية – الروسية في شأن مشروع القرار، اظهرت حتى الآن ان الروس منفتحون ومستعدون للاصغاء وان موقفهم يعكس ازدياد مشاعر الاستياء من تهور النظام السوري. ويأمل المسؤولون الاميركيون والفرنسيون والبريطانيون في الانتهاء من صوغ مشروع القرار في غضون ايام، لعرضه على وزراء الخارجية الاثنين المقبل لمناقشته والتصويت عليه.وابرزت ضرورة التحرك السريع، لاسباب عدة منها ان روسيا الاتحادية سترأس مجلس الامن الشهر المقبل، بعد انتهاء رئاسة رومانيا هذا الشهر.

واستبعدت ان يناقش تقرير رود – لارسن خلال الاجتماع الوزاري لان الجلسة ستكون مخصصة لتقرير ميليس ومشروع القرار المتعلق به.

وكانت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس قد اجرت منذ صدور التقرير اتصالات مع نظرائها في مجلس الامن وتحديدا الذين يمثلون الدول ذات العضوية الدائمة، لاقناعهم بالمشاركة في الجلسة الخاصة، على خلفية مشاروات مكثفة اجرتها مع نظيرها البريطاني جاك سترو، وتناولت، كما افادت مصادر مطلعة، البحث في صيغ محددة لاستخدامها في مشروع قرار، قد يكون الاول، يطالب سوريا بالتعاون مع التحقيق الدولي ويحدد لها مهلة قبل انتهاء فترة تمديد انتداب القاضي ميليس، لتأكيد تعاونها، ويهدد بفرض اجراءات عقابية جماعية اذا اخفقت في ذلك، بما في ذلك استخدام الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة لتطبيق القرارات الالزامية.

بولتون

وقال بولتون: "سنصر بالتأكيد على تعاون سوري". واوضح ان حكومته لن تتسامح بعد الان مع "انصاف الحلول. نريد تعاونا جوهريا، ونريده فورا". وبعدما اشار الى ان حكومته تسعى الى تحرك سريع، اضاف: "اعتقد ان ان هناك مستوى عاليا من الوحدة والهدف في المشاورات التي اجريناها حتى الان، كي نصر بالتحديد على الحكومة السورية لتتعاون تعاونا كاملا مع لجنة ميليس، والا تواصل عرقلة عمل اللجنة... سنواصل درس كيفية صون هذا الضغط خلال الايام المقبلة".

المندوب الفرنسي

وقال المندوب الفرنسي لدى الامم المتحدة السفير جان – مارك دو لاسابليار ان مجلس الامن يجب ان "يستخدم وزنه" لكشف "الحقيقة الكاملة" وراء اغتيال الحريري. وامتنع عن الرد مباشرة على سؤال عما اذا كان مشروع القرار الذي يمكن ان يعتمده المجلس سيكون محصورا بمطالبة سوريا بالتعاون مع التحقيق، ام يشمل التهديد بالعقوبات، قائلا ان الامر المهم هو اتخاذ المجلس "إجراء فعالا"، مشيرا الى الاتصالات في هذا الشأن.

ويعتقد ان مسألة العقوبات وطبيعتها ستكونان موضع مناقشة بين واشنطن وحلفائها في المجلس من جهة وروسيا والصين من جهة اخرى، وخصوصا في ضوء الموقف الروسي الاولي الذي نبه من خطأ "تسييس" التقرير.

وقال المندوب الروسي السفير اندريه دينينزوف ان حكومته "تعتمد دوما مواقف حذرة، حيال مسائل حساسة مثل سوريا ولبنان"، بينما قال المندوب الصيني وانغ غانغيا: "لا نزال ندرس التقرير... الذي يحتاج الى قراءة متأنية".

وفي اشارة لافتة، قال الامين العام للامم المتحدة كوفي انان انه سيثير مسألة تعاون سوريا مع لجنة التحقيق خلال اجتماعه ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع الذي طلب الاجتماع به اليوم، والذي يفترض ان يكون في طريقه الى نيويورك. لكن ناطقا باسم المنظمة الدولية صرح بعد ذلك بأن البعثة السورية ابلغت الى انان ان الشرع لن يزور نيويورك. وكان تقرير ميليس قد اتهم الشرع وغيره من المسؤولين السوريين بمحاولة تضليل التحقيق.

وأوضحت مصادر مطلعة لـ"النهار" ان أنان أخطأ في الاشارة الى الشرع، بينما كان يقصد ربما المستشار القانوني السوري رياض الداودي، الذي ترغب دمشق في ارساله الى الامم المتحدة، ومن المتوقع ان يصل في وقت لاحق من هذا الاسبوع وليس خلال جلسة اليوم.

ويذكر ان المستشار الداودي، وهو ليس موظفا رسميا في وزارة الخارجية السورية، هو المستشار القانوني الابرز لدمشق، وكان مشاركا في مفاوضات شيبردستاون بين سوريا واسرائيل قبل خمس سنوات، وكان قد التقى ميليس في اوروبا وكذلك في دمشق.

الخارجية الاميركية

وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية شون ماكورماك بأن تقرير ميليس وخطورته "يستحقان مناقشة على مستوى الوزراء"، لأنه يشمل "على الاقل عدم التعاون السوري مع تحقيق ميليس، ويتضمن ايضا تقديم المعلومات الخاطئة لمحققي ميليس، اضافة الى الاشارة الى احتمال تورط مسؤولين سوريين ذوي مستوى بارز في اغتيال رئيس وزراء سابق في دولة أخرى".

وتفادى التطرق الى مضمون أي مشروع قرار يمكن ان يطرح على المجلس، قائلا ان جلسة اليوم ستناقش التقرير رسميا على مستوى السفراء، في حضور ميليس، بينما سيناقش وزراء الخارجية الاثنين المقبل القضايا التي تتضح خلال الاتصالات التي ستستمر خلال الايام المقبلة، مشيرا الى ان الجميع يعتقدون ان اعتماد مجلس الامن قرارا في هذا الموضوع هو أمر "مناسب".

ونفى علمه بأي اتصالات رسمية بين واشنطن ودمشق، وتحدث عن ضرورة تعاون دمشق مع قرار مجلس الامن 1595، وهو القرار الذي أدى الى تأليف لجنة التحقيق. وكرر وصف التقرير بأنه "مثير للقلق. هذه مسائل بالغة الجدية وعلى سوريا معالجتها". ولفت الى ان المجتمع الدولي "يراقب عن كثب أعمال سوريا وتعاونها او عدم تعاونها مع تحقيق ميليس".

وكان وزير الخارجية الهولندي برنارد بوت قد ناقش تقرير ميليس مع رايس، وشمل النقاش امكان اجراء محاكمة في لاهاي مماثلة لمحاكمة المتهمين الليبيين بتفجير طائرة "بان اميركان" فوق اسكوتلندا عام 1988. وتفادى ماكورماك مناقشة مضمون اللقاء وطالب "بمحاسبة المسؤولين عن هذا الاغتيال"، وكرر ما قالته رايس من انه بغض النظر عن طبيعة المحكمة، يجب ان يكون هناك دور قيادي للبنان فيها عبر التعاون بين لبنان والمجتمع الدولي.

وعكس الناطق باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان موقفاً مماثلاً، اذ قال ان حكومته تريد ان تتحرك بسرعة بواسطة اجتماع وزراء الخارجية للدول الاعضاء في المجلس "لمحاسبة" المسؤولين عن الاغتيال، لكنه تفادى ايضاً التطرق الى مسألة العقوبات التي يمكن ان تفرض على سوريا. وشدد على ان حكومته تريد ان ترى "تغييراً في سلوك النظام في سوريا".

لندن

ں في لندن، رفض رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير استبعاد احتمال فرض عقوبات على سوريا.

وقال رداً على سؤال لشبكة "سكاي نيوز" الاخبارية البريطانية: "لا اعتقد ان في الامكان استبعاد اي امر". واضاف: "لا اخطر من السعي الى تدمير ديموقراطية بلد آخر من طريق الارهاب".

ورأى سترو امام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم "ان اعتبار دولة عضو في الامم المتحدة موقعة لشرعة حقوق الانسان، ان وسيلتها لحل مشاكلها هي في وجود مسؤولين فيها رفيعي المستوى متواطئين في قتل معارضين سياسيين، هو امر لا يمكن الدفاع عنه، وببساطة، لا يمكن التسامح معه". وقال انه لم يتطرق مع واشنطن الى فرضية القيام بهجوم عسكري على سوريا، معتبراً ان الولايات المتحدة على حد علمه لا تنوي القيام بعملية كهذه.

ں في دمشق، اكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية لـ"النهار" ان الرئيس بشار الاسد بعث برسائل الى رؤساء الدول الاعضاء في مجلس الامن "دون استثناء"، رداً على تقارير صحافية افادت ان وزارة الخارجية السورية التي استدعت سفراء الدول الاعضاء وسلمتهم رسائل الاسد، "استثنت كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا نظراً الى موقف هذه الدول الثلاث المعروف من التقرير ومن سوريا".

وقال المصدر ان "هذا كلام لا أساس له من الصحة".

وتداركاً لهذا اللغط، عدلت صحيفة "الثورة" الحكومية عنوانها في هذا الموضوع وأضافت عبارة "دون استثناء" في موقعها الالكتروني، فيما ظل عنوان الخبر في الصحيفة الورقية من دون تغيير لضيق الوقت.

تظاهرتان

وشهدت مدينتا دمشق وحلب تظاهرتين شعبيتين احتجاجاً على ما ورد في تقرير ميليس من اتهامات لسوريا.

وتجمع عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات الى موظفين حكوميين وشرائح اجتماعية أخرى، في ساحة "السبع بحرات" وسط العاصمة دمشق، وحملت بعض سيارات النقل العامة مواطنين من مدن وقرى من ريف دمشق ليشاركوا في التظاهرة.

ورفع الآلاف صوراً للرئيس بشار الأسد والرئيس الراحل حافظ الأسد، كما رفع العلم السوري ورايات سود عليها شعار "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة"، الى رايات صفر عليها شعار "حزب الله" اللبناني. وشوهدت فتاة في العشرين من عمرها تلف جسدها بالعلم اللبناني.

وفيما لوحط شبه غياب للشرائح الاجتماعية المتقدمة في السن، كذلك كان حال الفاعليات التجارية والصناعية والاقتصادية، كان هناك حضور لبعض رجال الدين وطلاب أحد المعاهد الاسلامية.

وهتف الشبان "بالروح بالدم نفديك يا بشار" ورفع بعضهم لوحات لرسوم كاريكاتورية أظهرت ميليس كدمية في يد الرئيس الاميركي جورج بوش، فيما صورت أخرى تقرير ميليس كأنه مائدة التف حولها كل من بوش ورئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون وهما على وشك التهامها.

ورفع المتظاهرون لوحات ورسوماً كاريكاتورية كتب فيها: "لا للتسييس"، و"لا للضغوط الاميركية"، "نعم للحقيقة"، "التقرير صنع في أمريكا".

أما في مقهى الروضة القريب من مكان التظاهرة، فكان رجال يتحلقون حول طاولات ويتناولون في احاديثهم التقرير والاتهامات التي وردت فيه ضد نظامهم، وكانوا مشغولين بالتحليلات السياسية عن مستقبل سوريا وغير مكترثين للتظاهرة. واسترعى الانتباه الحضور المكثف لصحافيين غربيين في ساحة "السبع بحرات" حيث التظاهرة والشباب السوريين الذين لم يبخلوا في التعبير عن مشاعرهم القلقة لهؤلاء الصحافيين مما يجري حول بلادهم، فيما كان بعض منهم يبدي استعداده للدفاع عن سوريا والرئيس بشار الاسد.

رجال الدين

وسلم رجال دين مسيحيون ومسلمون في سوريا رسائل الى سفيري فرنسا والفاتيكان وممثل الامم المتحدة يرفضون فيها ما ورد في تقرير ميليس.

وقالت الوكالة العربية السورية للانباء "سانا" ان "رجال الدين المسيحي والاسلامي قاموا اليوم بتسليم رسائل الى سفيري فرنسا والفاتيكان وممثل الامم المتحدة في سوريا يعبرون فيها عن رفضهم ما ورد في تقرير لجنة التحقيق الدولية من اتهامات باطلة وافتراءات مضللة". وأضافت ان رجال الدين "استغربوا الاسلوب المستهجن للتقرير الذي اعتمد على اشاعات اعلامية وشهادات مغرضة بعيدة عن الحقيقة دون أدلة وقرائن وشهادات". وأكدت الرسائل ان "الأخذ بالظن والحكم بموجبه من دون اثبات من شأنه ان يجر المنطقة الى مزيد من الويلات والمصائب".

واعتبر رجال الدين ان "التقرير اعتمد الافكار المسبقة التي تستهدف النيل من سوريا... وعلى العالم ان يدرك ان شعب سوريا يحرص على نيل حقوقه كاملة غير منقوصة". وطالبوا "المجتمع الدولي والمنصفين من شرفاء العالم بوقف مهازل تضليل الرأي العام العالمي عبر اشاعة الاباطيل وتكريس الظلم وطمس الحقائق وتغييب العدل".

مصادر
النهار (لبنان)