الجامعة العربية لم تتلقَّ طلباًً لعقد قمة طارئة وموسى إلى لبنان وسوريا الأسبوع المقبل

فيما تنتظر واشنطن السماح لميليس بمقابلة المسؤولين السوريين غداة صدور قرار مجلس الامن الرقم 1636، الذي يطلب من سوريا التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اعتبرت دمشق هذا القرار سلبيا جدا وغير منصف لها، لكنها اكدت مع ذلك انها بدأت درس آليات التعامل مع لجنة التحقيق التي يرأسها القاضي ديتليف ميليس، مع مواصلتها تحركها في اتجاه دول الخليج العربية، لحشد التأييد لموقفها.

الا ان جامعة الدول العربية نفت تلقّيها اي طلب سوري لعقد قمة عربية طارئة للبحث في تداعيات القرار، وسيزور الامين العام للجامعة عمرو موسى لبنان وسوريا الاسبوع المقبل لعرض الموقف مع المسؤولين في البلدين، اما واشنطن، فتوقعت ان تحاول سوريا توجيه اللوم اليها والى آخرين في المجتمع الدولي بسبب المأزق الذي تجد نفسها فيه، وشككت في إقدام دمشق على تغيير سلوكها وقالت انها ستراقب كيف ستتعامل السلطات السورية مع معاودة ميليس تحقيقاته، وما اذا كانت ستسمح له بمقابلة المسؤولين السوريين الذين يرى ان من الضروري ان يستمع اليهم.

الموقف السوري

وقالت مصادر سورية لـ"النهار" ان دمشق، "على رغم انها ترى في القرار ظلما كبيرا لسوريا، ستدرس في الايام القريبة آليات التعامل والتعاون مع لجنة التحقيق الدولية". وسئلت هل تبقي دمشق "اتفاق الجنتلمان" الموقع بين المستشار القانوني في وزارة الخارجية السورية رياض الداودي وميليس، ام توقع مذكرة تفاهم جديدة، فاجابت بان ذلك سيكون موضع بحث "ولا تنسوا ان للسيد ميليس رأيه ايضا".

وعن مدى التزام دمشق في المستقبل تطبيق بنود القرار وخصوصا تلك المتعلقة بتسليم اشخاص سوريين، قالت: "تحدث السيد رئيس الجمهورية بشكل واضح عن ذلك مرارا، وسوريا تعاونت في الماضي وستواصل التعاون، ويجب الا ننسى ان هناك لجنة سورية خاصة للتحقيق ستقوم بعملها وستقول رأيها وستخلص الى استنتاجات، وهذه اللجنة ستشكل صلة وصل بين لجنة التحقيق الدولية والاجهزة القضائية اللبنانية".

وافادت مصادر اخرى ان دمشق تعدّ مشروع اتفاق قضائي بين لجنة التحقيق السورية ولجنة التحقيق الدولية.

وواصلت دمشق انتقادها للقرار، اذ صرح مصدر في وزارة الخارجية السورية: "نعتبر القرار سلبيا جدا حيال سوريا، وبما انه قد تم بالاجماع فان اشكاليته ازدادت ... القرار اتهامي وتبنى الافتراضات التي توصل اليها ميليس والتي نعتبرها متسرعة وليست بالقدر الكافي من الموضوعية".

واوضح مصدر سوري آخر ان "سوريا آسفة لان مثل هذا القرار فاز بالاجماع، الامر الذي يبعث على القلق والاسف لدى السوريين".

وكتب رئيس تحرير صحيفة "الثورة" السورية فائز الصائغ: "ليست هي المرة الاولى التي تتعرض فيها سوريا لهذا الكم الهائل من الضغط والاستهداف المبرمج والمدروس في دوائر صهيونية، اينما كانت تعمل، وتحت أي يافطة، وفي أي عاصمة كانت". ورأى ان "الهدف المزمن، الذي اجتهدت اسرائيل لتحقيقه وبذلت كامل طاقاتها الاستخبارية والعسكرية والسياسية ودعم الدولة العظمى لها، هو تركيع سوريا". وأكد ان "سوريا اجتازت من قبل وستجتاز من بعد، المنعطفات والمطبات وسياسات التكويع والتركيع، وسط دهشة العالم واعجابه وتقديره لسوريا ولشعبها ولقدرته على التعامل مع الاحداث وتجاوز الصعاب والعقبات، ومن ثم استئناف مسيرة الحياة كما ينبغي بهدوء واستقرار وثقة بالنفس وبالشعب وبالتفاعل الحي القائم بين القائد الرئيس بشار الاسد والشعب".

وفي مؤشر لشعور بالاستياء تحاول دمشق احتواءه، تجنبت وسائل الاعلام السورية ابراز الفقرات المزعجة لدمشق في القرار، وخصوصا الاشارة الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي ينص على امكان فرض عقوبات اذا لم تتعاون سوريا. كما أغفلت النقاط التي تطلب من دمشق وضع المشتبه فيهم في التصرف الكامل للجنة التحقيق التي أشارت في تقريرها في 20 تشرين الاول الى احتمال تورط "مسؤولين أمنيين سوريين ولبنانيين كبار" في اغتيال الحريري.

وليس أدل على موقف سوريا من العنوان الذي نشرته صحيفة "تشرين" التي نقلت عن الشرع ان تقرير اللجنة "افترض اتهام سوريا بدلا من براءتها".

لكن محللين سوريين استنتجوا ان الوقت ليس في مصلحة سوريا وان تعاونها يجب ان يكون فعالاً، اذا كانت تريد تجنب الغرق في سيناريو عراقي. وقال الكاتب ميشال كيلو "دون اي شك انها فرصة ذهبية، واذا لم يعرفوا ان يستغلوها ستقع مصيبة كبيرة".

وقال المحلل القريب من التيار الاصلاحي في حزب البعث الحاكم في سوريا ايمن عبد النور ان "سوريا امامها فرصة منحت لها، عليها ان تستغلها لمصلحتها، وعليهم ان يجددوا اساليبهم في لعبة الحقيقة مع اللجنة الدولية". ودعا الاسد الذي اكد مراراً انه سيعاقب المذنبين اذا ثبتت ادانتهم، الى التحدث الى الشعب السوري. واضاف: "اذا اوضح للشعب ما حدث وكيف يمكن التحرك لاخراج البلاد من المأزق، فالشعب سيصطف وراءه".

وقال المحلل سمير تقي ان "القرار 1636 سيئ جداً بالنسبة الى سوريا، وهو يوم غير سعيد لي". واضاف ان القرار يحتوي مع ذلك على "عناصر ايجابية تتيح الفرصة لسوريا لتتكيف مع مطالب المجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه يحدد قواعد التعاون بين لجنة ميليس واللجنة الخاصة السورية".

واكد ديبلوماسي غربي في دمشق، طالباً عدم ذكر اسمه، ان "دمشق لا تملك سوى خيار واحد هو التعاون مع الاسرة الدولية بموجب القواعد الواردة في القرار 1636".

اعتصام

الى ذلك، اعتصم الآلاف من السوريين في ساحة الروضة قرب السفارة الاميركية، احتجاجاً على ما اعتبره بعضهم "الضغوط والتهديدات التي تتعرض لها سوريا".

وفيما انتشر المئات من "رجال الشرطة في محيط السفارة، اقام المعتصمون خيمة كبيرة وكانت مكبرات الصوت تبث اغاني واناشيد وطنية. وقال بعض المشاركين لـ"النهار": "ان اعتصامنا مفتوح حتى تنتهي الضغوط على سوريا".

ورفعت في الاعتصام الذي دعت اليه ونظمته الجمعية السورية للعلاقات العامة، لافتات كتب فيها: "لا للاتهامات الباطلة نعم للادلة نعم للحقيقة". ويرأس الجمعية مدير مكتب الاعلام الخارجي في وزارة الاعلام السورية نزار ميهوب.

رسالة كويتية

وتسلم الأسد رسالة من رئيس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح نقلها اليه وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح السالم الصباح.

وقالت وكالة "أنباء الشرق الأوسط" المصرية ان الرسالة "تتعلق بالاوضاع في المنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك والتعاون الثنائي بين البلدين الشقيقين". وأضافت ان الحديث "تطرق الى تقرير لجنة التحقيق الدولية وقرار مجلس الأمن في هذا الشأن".

وصرح الوزير الكويتي قبيل مغادرته دمشق ان "المهم للجميع هو كشف حقيقة منفذي جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري"، وان هذا هدف تسعى اليه سوريا بالقوة ذاتها التي يسعى اليها الآخرون.

جولة المعلم

وواصل نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم جولته الخليجية، فوصل الى مسقط حيث نقل الى السلطان قابوس بن سعيد رسالة شفوية من الاسد.

وأوردت وكالة الانباء العمانية ان الرسالة "تتعلق بالتشاور بين البلدين في شأن المستجدات الاخيرة التي تشهدها الساحة الدولية".

واجتمع المعلم كذلك مع وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي عبدالله وعدد من المسؤولين العمانيين خلال الزيارة التي استغرقت بضع ساعات. وقالت الوكالة ان البحث تناول "الوضع الراهن على الساحتين الاقليمية والدولية".

والى سلطنة عمان، زار المعلم خلال جولته الخليجية، دولة الامارات العربية المتحدة والبحرين والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر.

لا قمة عربية

وفي القاهرة، صرح رئيس مكتب الامين العام لجامعة الدول العربية هشام يوسف بان الجامعة لم تتلق أي طلب سوري لعقد قمة.

ورداً على تقارير صحافية عن طلب سوري لعقد قمة وعن ايفاد مبعوث للأمين العام للجامعة لاعلام دول الخليج بذلك، قال يوسف ان "هذا الكلام عار من الصحة".

واستبعد ديبلوماسي عربي في القاهرة طلب عدم ذكر اسمه انعقاد قمة كهذه، موضحاً ان الدول العربية "لا تستطيع ان تتخذ موقفاً يتعارض مع قرارات مجلس الامن والشرعية الدولية". واعتبر انه "ليس أمام سوريا سوى الاستجابة لقرار مجلس الأمن، والتعاون مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري".

موسى الى لبنان وسوريا

وأعلن موسى انه سيزور لبنان وسوريا الاسبوع المقبل للبحث في الموقف بعد صدور القرار 1636. وقال انه يجري التحضير لهاتين الزيارتين في الوقت الحاضر.

وسئل عن موقف الجامعة من القرار 1636، فاكتفى بانه ليس هناك اكثر مما "قاله وزير خارجية سوريا الذي صرح بان سوريا ستتعاون مع القرار".

الموقف الاميركي

في واشنطن، اقتبس الناطق باسم وزارة الخارجية شون ماكورماك من وزير الخارجية البريطاني جاك سترو خلال جلسة مجلس الأمن الاثنين، انه لن يحبس أنفاسه في انتظار تغيير السلوك السوري. وقال ان تصريحات الشرع بعد جلسة مجلس الأمن، تبين ان سوريا تواصل السير على الطريق ذاته. وشدد على ان المجلس بعث برسالة قوية الى دمشق عندما صوت بالاجماع على القرار 1636. ورأى ان سلوك الحكومة السورية هو الذي اوصل سوريا الى مأزقها الراهن. وذكر ان المحقق ميليس هو الذي سيقرر كيفية العمل مع الحكومة السورية لمعاودة تحقيقاته مع المسؤولين السوريين، قبل العودة الى مجلس الأمن قبل انتهاء فترة التمديد الراهنة للجنة في 15 كانون الأول المقبل. وأضاف: "سننتظر لنرى ما سيحدث... المؤشرات الأولية غير مشجعة".

وأفاد ان الخطوات المقبلة لمجلس الامن ستكون مبنية على تحقيقات ميليس، ومن هم الافراد الضالعون في جريمة اغتيال الحريري كي يحالوا على اللجنة الخاصة التابعة للامم المتحدة التي شكلها القرار 1636 لفرض العقوبات عليهم، والتي تشمل منعهم من السفر وتجميد عائداتهم.

ولفت الى انه اذا لم تتعاون سوريا مع التحقيق، فان القرار 1636 يدعو الى اتخاذ خطوات اضافية.

ووصفت الصحف الاميركية القرار 1636 بانه رسالة قوية وواضحة، الا انها قالت ان حصول تعاون فعلي من دمشق ليس مضموناً.

وكتبت صحيفة "الواشنطن بوست": "بشكل عام، الرئيس السوري بشار الاسد رجل ساذج لا يستوعب دوماًً التغييرات في الشرق الأوسط ويقدم بطريقة كارثية الاجوبة السورية الخاطئة" عن هذه التغييرات. "لذلك كان من المفيد ان تكون رسالة مجلس الأمن التي وجهت الى دمشق أمس قوية وواضحة".

وقالت صحيفة "النيويورك تايمس" "ان ادارة بوش اصابت عندما أعطت أمس الافضلية للديبلوماسية المتعددة الاطراف"، مما اتاح لمجلس الامن "توجيه نداء قوي بالاجماع الى دمشق يطلب منها التوقف عن عرقلة" تحقيق ميليس.

واعتبرت "ان ضغطاً دولياً مدعوماً بعقوبات اذا لزم الامر ضد النظام السوري نفسه ،سيجبر الاسد على الكف عن عرقلة التحقيق" في اغتيال الحريري.

مصادر
النهار (لبنان)