من يستطيع التفكير في اللحظة التي تصبح فيها طاقة التحول صبرا لا يطاق، فقضية البحث في "سورية" أو حول "سورية" لم تعد "اكتشاف المعارضة" أو حتى رصد الحقوق المدنية فيها، لأن السياسات الدولية أربكت أي تفكير ظهر في المجال السياسي قبل عدة أعوام. فالمسألة اليوم تتراكب فيها الأسئلة ويبدو من الطبيعي عدم التوقف عند حدود البيانات، أو الصياغات السياسية التي تقدم "طبق" المطالب، أو حتى التصريحات الرسمية التي تحاول شرح طبيعة "الظرف" السياسي". وإعادة التفكير هو في النهاية صورة عن التشويش المركب الذي لا يكتفي فقط بزرع الشك، بل أيضا يحاول الإيهام بأن القضية السياسية في سورية على شاكلة سيرة "المماليك" التي نكتشف في نهايتها عبثية البحث عن "الصراع" طالما أنها تحوي ثنائية التناقض لـ"البطل" القادر على تحقيق الانتصار، لكن هذا النصر مطلق ... ولا فرق بين سحق الأعداء أو الخصوم أو حتى "الوطن" بكامله على شاكلة ما حدث في العراق.

المشكلة أن "المحور" الوطني لم يعد يسهل تعريفه، ليس لأننا غير قادرين على التمييز، بل لأن حجم التنظير في البيانات، الموزعة إلكترونيا على الأقل، تقتل الوقت الذي نستطيع فيه التفكير في المستقبل لترسم لحظة حاضرة وأبدية، فالحلول "المحورية" هي أشكال هاربة من الفردوس، وتسعى لقتل التاريخ أحيانا واستلاب المستقبل على طريقتها الخاصة.

المسألة اليوم ليست "معارضة" سياسية أو بحث عن اتساع الطيف السياسي السوري وتنوعه، لأن ما نملكه يعود في أكثره لمرحلة "ما قبل" السياسة حتى مع امتلاكه لكل أدوات المعاصرة وتسلحه بالتنظير الليبرالي أو عصرنة التراث أو حتى استعادة اللحظات "الإيديلوجية" الخاصة في تاريخنا المعاصر. ويبدو أننا مضطرون اليوم للتفكير من جديد بمسألة "البطل" المطلق الذي يظهر لنا في الحلول السياسية المطروحة، دون عناء البحث أو حتى "الوعد". فعندما تصبح غاياتنا الإنسانية الأساسية مثل الحرية نوعا من "التجميل" لكل بيان سياسي فإن عواطفنا تتخشب. وفي اللحظة التي تصبح فيها كلمة "الصراع" مسندا لأي خطاب سياسي فربما علينا تحسس أجسادنا حتى نعي بأننا أحياء ...

القضية ليست بـ"محور" ظهر على ساحة سياسية منمقة بأكثر تعابير قدرة على اقتحام "الدوائر" السياسية ... والقضية ليست مؤامرة تحاك أو خيانة تظهر أو هروب من استحقاق سياسي، بل هي حرق "مراحل" التفكير للقفز إلى واجهة الإعلام والسياسة والفكر ... واعتبار أن الأفكار هي "دليل الاستخدام" لكل من يريد أن يتعامل بـ .... السياسة!!!