ربما من الطبيعي أن نرى الوطن على شاكلة القرن الواحد والعشرين وليس في حلم أجيال الاستقلال، ومن المنطقي ان نفكر به وفق التراكب والتعقيد بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال، لكن المسألة أيضا تحمل لونا من رغبة الإحساس به كتفاصيل لا يمكن الهروب منها. لأن المسألة ليست جملة من المواجهات والاستحقاقات والإجراءات، فالوطن في النهاية هو حياتنا كمواطنين وحزمة ثقافية هي في النهاية صورتنا.

والقضية اليوم ليست "العواطف" التي تحملها "أناشيد" قديمة تعلمناها من الأجداد، لكن العاطفة التي رافقت ظهور سورية هي تراث نفسي يعبر عن التفكير الذي نحتاج إلى الارتقاء به، بدلا من استبداله بأشكال الانعتاق من المشكلة أو التجرد وكأننا أنهينا "فروضنا" المدرسية، وعلينا اللعب على مساحة "مجهولة" لتصبح طاقتنا تهكما دائما على فشل الآخرين في إنجاز هذه الفروض. لا أعرف كيف ترتسم أحيانا ابتسامة السخرية عند الحديث عن الفساد أو الفشل، لأن القضية تستدعي البكاء أو القلق أو حتى تلمس هذه المأساة التي نتناولها بنفسية "المعلم" وهو يرى فشل طلابه الذي تمنى أن لا يكونوا داخل صفه. فعندما نجتمع في حلقة لرؤية الوطن فإن غمامة سوداء تلفنا، بدلا من مساحة من الفرح، لأننا نملك على الأقل الحق في العمل من أجله ... من أجلنا ... وربما من أجل تعلم السعادة في كل لحظة.

"الحساسية" تجاه الوطن ليست ألحانا رومانسية علينا اليوم فرضها، فمن الممكن أن تصبح هذا القلق الذي يدفعنا للإبداع بدلا من السخرية و "الفوقية" التي نريد إيهام الآخرين بها للتعبير عن استحالة المهام. فمهما كانت طبيعة استقالتنا لكنها ليست وصمة فشل أو عار بل رضى بأن المساحات المغلقة امامنا هي عجزنا وليس فشل الآخرين.

عندما نفكر اليوم بالوطن فإننا بالفعل نحتاج رغم كل التراكب العلمي إلى تحسس آثاره داخل عقلنا، فإذا شعرنا بأنه يرسم استهزاء من الجهود، أو حصرا على إثبات تفوق وجهة نظرنا فإننا نكون انتهينا خارج الحياة والمواطنة والحداثة. وبانتظار معجزة التراث أو "النبي" الذي سيقلب الأمور لتظهر عصبية جديدة تشدنا إليه ...

ليس هناك وطن دون مواطن، وليس هناك فشل يخلقه البعض بينما يبقى الآخرون مجرد مشاهدين .. الوطن والمواطن والمجتمع في النهاية هم تكوين واحد لا يمكن كسره وإلا تهشمنا جميعا.