لم يكن مقدرا لـ"مسائل الديمقراطية" أن تأخذ حيزا من الحياة العامة طوال السنوات الماضية، فالولايات المتحدة التي وجدت عنوانا لـ"الشرق الأوسط الجديد" دخلت في الموضوع الديمقراطي ضمن سياق من الحرب الكلاسيكية، وعلى افتراض أن قضايا الدولة الحديثة يمن تشكيلها في جبهات تستطيع رسم أنظمة سياسية متوافقة.

وبالطبع فإن الإدارة الأمريكية لم تنس إسرائيل لكنها شكل حسابات الشرق الأوسط على "الإفراط بالقوة"، بحي لا يصبح انجاز السلام قائما على توافق في المنطقة، بل توازن رعب تم تدعيمه منذ حرب الخليج، ثم جاءت الحرب على الإرهاب تجعل "القوة" بعيدة حتى عن موضوع القوة الثقافية.

وبالفعل استطاعت الولايات المتحدة إثبات قدرة فائقة على تفكيك الدولة من خلال النموذج العراقي، بينما استطاعت "إسرائيل" خلق نموذج "العقاب الجماعي الدائم" والمستمر منذ بداية الانتفاضة الثانية. فالمشروع الأمريكي لم يتعثر بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنه يقوم أساسا على قواعد من "التفوق" الذي تتم المراهنة عليه زمنيا كي يخلق جغرافية – سياسية جديدة.

ولا نستطيع القول اليوم أن هذا الرهان الأمريكي انتصر أو انهزم، على الأخص أن الحرب الحالية تؤكد استمرار عمليات "القوة"، ولكن الواضح أن شكل "الصراع الديمقراطي" لم يعد موجودا وفق المفاهيم التي برزت بقوة منذ أربع سنوات على الأقل.

أما بالنسبة للمجتمعات فإن "الواقع الديمقراطي" كان منفذا أساسيا نحو الشأن العام والمشاركة، لكن "الديمقراطية" دخلت وكأنها "صراع" بين القوى الاجتماعية أكثر منها صراع فكري داخل كل قوة على حدة. وبهذا الشكل كان حجم الصراع مع إسرائيل يتراجع ويتقدم عليه الكثير من المفاهيم التي اعتبرها البعض جديدة على الخطاب السياسي، كما أن الآليات السياسية تبدلت بشكل كبير. الحرب القائمة في لبنان اليوم أطرافها واضحة جدا ... وإسرائيل تشكل حالة واقعية يستطيع أي إنسان أن يرفضها أو يقبلها، أما في مواضيع الديمقراطية التي نشأت فإن نسبة الخلط كانت كبيرة، وأوحت الولايات المتحدة أن "صراع" الديمقراطية شبيه بحالة الحرب التي تعرفها شعوب المنطقة.

ما الجدوى من التحليل اليوم؟!!! إنها مسألة فهم للتحولات التي يُراد لها أن تظهر في عالمنا ضمن أزمات وحروب متلاحقة ... وربما لسنا بحاجة إلى ترديد ما يٌقال في الصحافة حول "المسؤولية" و "الذريعة" لأن مسألة الحرب اليوم تجاوزت الطاقة الفعلية للحدث وهي تمس سلمنا الاجتماعي عموما.