بين أيدينا الآن تفاصيل كثيرة عن الاتصالات السورية الإسرائيلية، فضلاً عن نتيجتها ممثلة في وثيقة منسقة وذات بنود عدة تشمل جميع التفاصيل المتعلقة بتسوية شاملة بين الطرفين، وهو ما يعطي انطباعاً بأن الأمور قد وصلت مرحلة متقدمة، ولم يبق سوى أن يحط إيهود أولمرت في مطار دمشق، أو يسافر بشار الأسد إلى تل أبيب، وأقله أن يلتقي الجانبان في جنيف من أجل وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق. للتذكير، فقد نفت الحكومة السورية علمها بتلك الاتصالات التي بدأت، بحسب صحيفة ’’هآرتس’’، منذ العام ,2004 وهو ما انسحب على رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الذي تحدث بسخرية عنها، لكن عموم الموقف مازال يشير إلى أن الطرفين كانا على علم بما يجري، وإن لم يمنحاه الصفة الرسمية. وإذا استعدنا الجدل الذي بدأ منذ هزيمة لبنان في الأوساط الإسرائيلية بشأن الحوار مع سوريا، فسنتأكد أن ما جرى كان صدىً للجدل الإسرائيلي بشأن القناة السرية المفتوحة مع دمشق. وقد لاحظ المعنيون أن معظم الذين كتبوا عن هذا الملف من سياسيين وكتاب في الأوساط الإٍسرائيلية كانوا مع فتح الحوار مع السوريين، بصرف النظر عن رؤيتهم إزاء النتيجة التي يمكن أن يفضي إليها الحوار.

من جهتها، كانت القيادة السورية، ومنذ التاريخ المذكور في مزاج يسمح لها بنشاط من هذا النوع، وذلك تبعاً للمرحلة الحرجة التي أعقبت احتلال العراق وانطلاق موجة الضغوط عليها تحت طائلة مساعدة المقاومة العراقية، وهي ضغوط وصلت حد التهديد في كثير من المراحل، ومن ثم التورط في اغتيال رفيق الحريري وما تلاه ذلك من ضغوط تزامنت مع تراجع عربي واضح وفض للتحالف المصري السوري السعودي، بل انقلابه إلى شكل من أشكال التناقض، ليس فقط فيما خص الموقف من لبنان، بل العراق وفلسطين أيضاً، فضلاً عن العلاقة مع إيران التي شابها بعض الفتور تبعاً للخلاف بشأن الموقف من الملف العراقي، وإن بقيت أفضل من العلاقة مع الدول العربية المشار إليها.

من هنا لم يكن مستغرباً أن تلجأ دمشق إلى هذا النوع من الاتصالات على أمل أن تساهم في تخفيف الضغوط عليها، وبالطبع من أجل إعطاء الانطباع بأن إمكان التسوية معها ليس غائباً، لاسيما وهي تدرك أن الجانب الإسرائيلي ليس جاهزاً لتسوية من النوع الواقعي. مع العلم أن هذه العملية تتم على قاعدة أن إسكات الأميركان لا يمكن أن يتم إلا من خلال الحبيب الإسرائيلي الذي يحدد أزلامه في واشنطن وجهة السياسة الأميركية الشرق أوسطية.

من الزاوية السياسية تبدو اللعبة معقولة ولا تنطوي على خطر كبير، لاسيما أن الوثائق التي يقف خلفها سياسيون أو رجال أعمال باحثون عن أدوار تبقى غير ملزمة في نهاية المطاف، هذا إذا لم يرفضها الطرف الإسرائيلي من الأصل، ونتذكر وثيقة جنيف (يوسي بيلين - ياسر عبد ربه) التي عاد بها الثاني إلى الفلسطينيين العام ,2003 وكان يمكن لعرفات (رحمه الله) القبول بها في الوضع الذي كان يعيشه في تلك المرحلة، لولا أن جاء الرفض من الطرف الإسرائيلي، لأن شارون لم يكن ليقبل وثيقة تعيده إلى طروحات ’’كامب ديفيد ,’’2 على رغم ما تنطوي عليه من مصائب بالنسبة إلى الفلسطينيين، من بينها التنازل عن حق العودة.

من هنا يمكن القول إن الوثيقة التي نشرت كنتاج للاتصالات السورية الإسرائيلية لن تكون مقبولة من الطرف الإسرائيلي، على رغم انحيازها الواضح للطرف الإسرائيلي، من دون أن يعني ذلك أنها ستكون مقبولة من الطرف السوري، وإن ترك مسار الرفض للإسرائيليين.

سبب الرفض السوري هو أن الصراع مع الدولة العبرية ليس مجرد نزاع حدودي على هضبة الجولان وبحيرة طبريا يمكن حله بمقترحات إبداعية من أجل إحلال السلام والتطبيع، بل صراع واسع النطاق على السياسة والدور والحضور. واللافت هنا أن الوثيقة التي توصل إليها الطرفان (ممثل سوريا رجل أعمال اسمه إبراهيم سليمان) لا تطلب من سوريا التسوية الجغرافية فقط، بل تضيف إليها التطبيع والتخلي عن المقاومة وعن الدور العربي والإقليمي، إضافة إلى المساعدة في حل المعضلة الأميركية في العراق أيضاً، لكأن على دمشق أن تلف الحبل حول رقبتها مقابل ثمن بائس إلى حد كبير.

من هنا يمكن القول إن أية إشارات على هذا الصعيد ليست ذات قيمة، وقد سمعنا ’’بشارات’’ من هذا النوع في العام ,1994 وفي العام 2000 عقب لقاءي ’’الأسد - كلينتون’’ في جنيف، لكن النتيجة كانت لا شيء، وهو ما سيتكرر هذه المرة أيضاً، بصرف النظر عما إذا كانت الاتصالات برغبة سورية من أجل تخفيف الضغوط، أم بمبادرة خاصة من هذا الطرف أو ذاك. يبــقى القـول إن مـن الأفضل للقيادة السورية أن تبادر إلى مــزيد مـن تمتـين جبهتها الداخلية في مواجهة الضغوط، ولن يتم ذلك من دون تسوية مع قوى المعارضة، وعلى رأسها الإخوان الذين لايزالون - على رغم حكاية التحالف مع عبدالحليم خدام - متمسكين بالبوصلة الوطنية. "الوقت" البحرانية