ربما تعذبني الصور التي تتبعني أينما ذهبت، لكنني أريد رؤية تفسي من جديد، وفي مساحة "الخطة" الأمنية التي ترسم جسدي وتفاصيل وجهي، فأنا التوتر الذي خلقته بابل ثم شردته الجيوش دون أن تفرق بين أنثى وذكر، أو بين جسد آلهة وتفاصيل أي مواطن يقف على ضفة دجلة...

في بغداد أعيد بناء طفولتي، وفي الهجرة ألتقي مع الزمن عندما أقابل الجميع، بعد أن حرمتني سنوات الحرب، أو الحصار، من رؤية نفسي في وجوه الآخرين، فمن قال أنني "أقلية" أو أنتمي "لعرق" يبدو أصفى من خيال الشعراء.. فأنا من العراق والتجاوز اللغوي يضعني في العراق أو "الأعراق" التي لولاها لما كنت فوق هذه الجغرافية التي تكبلني اليوم بعد أن أعطتني وهج الحياة.

وفي بغداد لن تواجه المنصور أو أئمة المعتزلة.. لأن البعض اعتزل صناعة الحياة بعد أن تعرق على صورة "حضارة" حملت من "المرتزقة" ما يكفي لإنهاء الأن أو تبديد الأمان.. وما الفرق بين الميليشية أو المرتزقة أو حتى "الاحتلال".. إنها أسئلة ترافقني في زمن البحث عن كل ما يجعلني أعيد ترتيب نفسي..

في بغداد لا مكان للنحيب.. وما تنقله الفضائيات هو ذكرى لزمن ولى لكنه يظهر أحيانا في لحظات البريق.. النحيب هو الماضي الذي أهرب منه، أو أحاول اغتياله كما اغتالتني اللحظات بعد أن تيقنت بعدم عودته.. "هو" الذي كان يظهر من بين كافة الوجوه رجل قادر على اعتزال الحرب، أو تبني المقاومة أو حتى معانقة "العراق" دون وجل أو خجل أو خوف من أصحاب اللحى أو من يعتبرون القبعات القاسية.. "هو" الذي ذهب كغيره من "الذكور" أو "الإناث" أو "الأطفال"... فلم يكن يحتاج للتواجد في ملعب كي تقتله "القذائف" الطائشة أو القصف المجاني فيصبح من "الضحايا الهامشيين".. ورغم كرهي لهذا التعبير لكنني أذكره لأن كل الوجوه التي رحلت ليست "هامشية".. كانت مسلحة بحلمها وحبها.. وكانت مثل أي أمريكي تملك الحياة التي تريدها أو تسعى لامتلاك الشغف بالبقاء..

"ضحايا هامشيين" لكنهم مكتوبون في كل زاوية من العراق.. وفي الذ1اكرة التي تخزن دجلة والفرات وشط العرب، وتعرف أن أربيل وكركوك تنقلنا لمساحة جديدة من الحياة وأن البصرة تدفعنا نحو المستقبل بدلا من الغرق في التاريخ... ولأنني أرفض أن أكون من "الهامشيين" ألتقي الجميع في مساحة عشقي .. فـ"هو" رحل لكنه ترك لي العراق بأكمله كي أحضنه .. ثم يقولون عن لاجئة!!! ربما عليهم غعادة النظر في لغتهم لأنني قادمة ولست لاجئة.. قادمة نحو الصور التي أشكلها رغم حزني وبؤسب و "جرعة" من التفاؤل تكفي.