التنافس السياسي الإسرائيلي يتعامل مع سباق الزمن اليوم وفق الاعتبارات الداخلية للدولة العبرية بالدرجة الأولى، فرئيس الوزراء الإسرائيلي أيهودا أولمرت لم يكن مضطرا لإطلاق حسن النية تجاه "القادة العرب" المعتدلين، في وقت تجاهل المبادرة العربية، طالما أن المسار السياسي اليوم مع كل مظاهر انفراجه يقدم "اختناقا" في "مبدأ" السلام، الذي ينتقل من القرار 242 إلى فضاء مجهول...

عمليا فإن أولمرت لم يقدم "مبادرته" للقاء "العرب المعتدلين" لأن السلام أصبح مسألة واقعة بعد اجتماعات القمة العربية، وبعد أن قررت لقاءات الرياض العودة للمبادرة العربية من جديد، أو ربما قلب الزمن باتجاه بيروت قبل انسحاب الجيش السوري أو اغتيال الحريري أو حرب تموز، وقبل أيضا إعادة احتلال كامل الضفة، واغتيال معظم القيادات لحماس والجهاد الإسلامي، وأخيرا وربما الأهم احتلال العراق وصياغة المنطقة ككل على إيقاع هذا الاحتلال. وأولمرت يعرف أن مسألة المبادرة هي مجرد توقيت، فالعوامل الخاصة بها لا تملك أي مساحة يمكن أن تصبح واقعا دون إحداث تبدل استراتيجي عميق داخل المنطقة، لا يقنع إسرائيل بمسألة السلام بل يوحي فقط بأن هناك "بيئة" جديدة يمكن للنظام العربي التعامل معها في مسألة السلام.

ربما تبدو "مبادرة" أولمرت مجرد جولة في سياسته الداخلية، لكنه في نفس الوقت يعطي لأبعاد "السلام" مجالا آخر يبتعد عن موقع الاحتكاك الأساسي بين "إسرائيل" والشرق الأوسط، فالمعتدلون العرب هم خارج جغرافية الصراع، حتى ولو انغمسوا فيه سياسيا، وهذه المسألة تجعل "مصالح السلام" مرتبطة باستراتيجيات بعيدة نسبيا عن واقع ما يحدث اليوم داخل جغرافية الصراع نفسها. فالمسألة ليست في جناح "الاعتدال العربي"، أو حتى في الدور الإقليمي الذي يرغب البعض منحه لهذه الدول، بل أيضا فيما "خلفه" الصراع طوال نصف قرن داخل المجتمعات التي تعاملت معه بشكل مباشر.

وإذا كان أولمرت قدم مبادرته مع وجود زعيمة الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس الأمريكي نانسي بيلوسي في المنطقة، فإنه في نفس الوقت يريد وضع حدود لأي تحرك ديبلوماسي عربي بشأن المبادرة العربية، فهو اختصر الطريق، وحمل شروطه، محاولا إقصاء الديبلوماسية الدولية عن الموضوع وحصره في التعامل الإسرائيلي، وبالطبع الأمريكي أيضا. فدعوة أولمرت في النهاية لا تعطي أدوارا إقليمة جديدة، وهي تتشابه مع محاولة حرف مسار المصالحة الخاصة بالسلام إلى خارج "جغرافية الصراع" الأساسية، لأنها تحاول وضع السلام كورقة ضغط سياسي تجاه من تراهم إسرائيل خارج الاعتدال، بدلا من أن يصبح السلام حلا لمشاكل المنطقة.