أكثر من باص كباص عين الرمانة ، ولم تفلح الخطة هذه المرة. ربما لان اللبنانيين تعلموا وليس هناك من يريد العودة الى الحرب الاهلية ، وربما لان هناك رؤوسا كثيرة من التي تقود بعض الفصائل السياسية اللبنانية تختزن ما يكفي من الحكمة واليقظة ، وربما لان ميزان القوى لا يشجع الا المجانين على النزول الى ساحة المواجهة المسلحة. خاصة ان محاولة تفجير الوضع لم تات نتيجة قرار جماعي اتخد في تجمع ما ، وانما هي عملية استدراج تامري وسيلتها جرائم شبه مفضوحة لكل من يعرف السياقات اللبنانية. اضافة الى كونها تستبق المواعيد التي يريدها لها المايسترو الرئيسي الدي يدير السيمفونية السوداء في لبنان والمنطقة. فمن بين بنود الخطة التي تسرب خبر التباحث حولها بين الادارة الاميركية بقيادة ديك تشيني ودول الرباعية العربية وفرنسا واسرائيل لمواجهة الخطر الايراني ، بند يقول بتجنب المواجهة المسلحة غير المضمونة سواء مع ايران او مع ما سمي بـ "اذرعها في المنطقة" ومن بينها حزب الله اللبناني. وبند اخر يقول ان هده الاستراتيجية تقوم على هدف اساسي هو عزل سوريا عن لبنان باية وسيلة ، ومنع استعادة سوريا لاي دور لها فيه ، حتى لو اقتضى الامر صفقة سعودية مع ايران تشترط استبعاد سوريا ، مقابل اعطاء بعض المكاسب لشيعة لبنان. لكنه سيكون من السذاجة اعتبار ان هذا الموقف المهادن سيستمر طويلا ، سواء في لبنان او في الجبهات الاخرى التي تعتبر الادارة الاميركية ان لايران اذرعا فيها وهي العراق والخليج وفلسطين وسوريا. غير ان لكل من هذه الساحات خصوصياتها التي تحدد اسلوب التعامل معها ، مع الحفاظ على عنصرين غير قابلين للاندراج ضمن المتغيرات: المصلحتين الاميركية والاسرائيلية. ولذا يكون من باب الخطا السياسي المحض القول ان التعرض لحزب الله او لسوريا او لحماس او لغيرها من قوى المقاومة العسكرية والسياسية هو بسبب علاقتها مع طهران ، بل ان العكس تماما هو الصحيح ، أي ان خلاف الولايات المتحدة واسرائيل مع ايران يعود الى عاملين مترابطين تماما: نمو القوة العسكرية الايرانية ، ومد اذرع النفود الايراني في المنطقة الى مدى ابعد مما تسمح به معادلة تقاسم النفود الاقليمي ، وتشكل هده الاذرع من تنظيمات ودول لا تريدها اسرائيل ، في غياب البقرة العربية التي وقعت واختلف حولها سلاخوها. دون ان يغير في الامر شيئا كون بعض الانظمة او القوى العربية تساعد في عملية السلخ ، بدور "صبي المعلم" ، ذاك انها ليست المرة الاولى التي يقوم فيها العرب بهذا الدور ، اضافة الى ان الاجر الذي يتقاضاه الصبي هو بقاؤه في وظيفته ، وظيفة ان هي الا سبب وجود هذه الانظمة والقوى ، وتغذية مشاريع طائفية وعرقية مريضة قائمة في الخيال المريض للبعض ، ولا علاقة لها بمصالح الشعوب والامة. من هنا تقوم هذه الاستراتيجية التي تسربت بنودها الى الاعلام على تقطيع تلك الاذرع او شلها ، ليس فقط بهدف اعادة النفوذ الايراني الى حجمه الطبيعي المرسوم له اميركيا وابعاد خطره عن اسرائيل ، وانما بهدف اصيل هو القضاء على قوة هذه الاذرع التي هي بحد ذاتها تهديد اصيل لاسرائيل وللمخطط الاميركي (ربما استفاد من ايران لتقوية وضعه اكثر مما تستفيد ايران منه) وتتم عملية القضاء هذه عبر عدة اساليب: سواء عملية التدجين والاحتواء ، او عملية التطويق والخنق ، او عملية المساومة واللعب على العقد المتعددة ، واخيرا عملية كسر العظم ان لم تنجح الوسائل الاخرى. "واخر الطب كي" لكن اوان الكي لم يحن بعد. واذا ما طبقنا ذلك على الوضع اللبناني فان مراقبة الوضع اليومي تثبت صحة بنود الاستراتيجية المذكورة التي تقوم على: الابتعاد مؤقتا عن المواجهة العسكرية مع المقاومة لانها غير مضمونة لصالح حلفاء الولايات المتحدة واسرائيل ، ولكن العمل بكل الوسائل المعلنة وغير المعلنة بما فيها التامرية والاجرامية على عدم توفير أي دعم لاي مشروع سياسي تقدمه المعارضة اللبنانية ، ووقفه ولو بثمن دم بريء ، اذا ما لاح في الافق انه سيحرج الفريق الاخر او سيجر جزءا من قياداته الى الموافقة ، وهذا ما تصفه الخطة الاميركية باستراتيجية وقف المشروع. من جهة ثانية تستمر الجهات الغربية والاسرائيلية والعربية ، بعضها ، بتقديم دعم غير مشروط للحكومة بقيادة فريق 14 اذار ، ومحاولة ردم هوة التدهور الاقتصادي الذي من شأنه ان يقضي على شعبيتها من خلال اموال الحريري داخليا وجزئيا ولكن من خلال السعودية واميركا واوروبا بشكل اوسع. البند الثالث يتناول الجيش وقوى الامن اللبنانية ، حيث تتم عملية احتوائهما وتحييدهما من الصراع مع العدو ، والحاقهما بالخط الاميركي ، وذلك عبر تحويل التمويل الذي تحقق في باريس 3 لدعم القوات المسلحة تسليحا وتجهيزا ، وعبر التقريب بين الجيش والامن المعروف بارتباطه بالحكومة ، واستقطاب قيادات اساسية في الجيش باتجاه حكومة السنيورة ، والحكومة والرئاسة اللتين تعمل لقدومهما مع انتهاء مدة الرئيس لحود ، بعد خمسة اشهر. وهدا ما يفسر تكاثر التصريحات التي تعبر عن الثقة بقوى الامن والجيش من قبل اطراف 14 اذار. الجهة الرابعة المستهدفة في هذه الخطة هي الشارع المسيحي ، الذي شكل توزعه بين قوى المعارضة وقوى السلطة عقبة اساسية في وجه هدفين اساسيين للمحور الاميركي الاسرائيلي وعملائه: الهدف الاول تحقيق الفرز الطائفي ، وما يؤمنه من مواويل كثيرة منها موال حماية المسيحيين ، والهدف الثاني هو اخراج الصراع ، اخراجا طائفيا كما درجت العادة منذ بدا التدخل الغربي في جسم الرجل المريض قبل اكثر من مئة سنة. الهدفان دمرهما تحالف ميشال عون مع المقاومة ومن ورائه زعامات مسيحية تقليدية وجديدة ، مما اثبت ان الانقسام في البلد هو انقسام سياسي لا طائفي ، وكشف النقاب عن جوهره الحقيقي. من هنا ، وبعد ان فشلت الاغراءات السياسية الكثيرة والضغط على ميشال عون وسائر الحلفاء المسيحيين للانسحاب من تحالفهم مع حزب الله يتجه الامر الان الى تكرار فكرة ان الحزب خطر على المسيحيين ، والتسويق لنفوذ القوات اللبنانية داخل المناطق المسيحية بكل الوسائل ، على حساب اضعاف شعبية عون ، واجراء مسوحات احصائية نصف شهرية لدراسة تطور الراي العام بهذا الخصوص ، كما يترافق ذلك مع تصاعد الضغط على البطريرك صفير للمساهمة في هده العملية. العباءة الخامسة والاخيرة التي يخطط لنزعها عن كتفي حزب الله ، هي الاكثر التصاقا بالجسد ، أي العباءة الشيعية حيث تشهد الساحة محاولة استقطاب وابراز شخصيات شيعية ، من خارج امل وحزب الله ، من جهة ، واللعب المستمر على وتر محاولة احتواء نبيه بري بالفصل بينه وبين الحزب. كل هذا في الوقت الدي يكلف فيه الفريق السياسي والاعلامي بتصعيد شن حملة دون هوادة او تلكؤ ضد حزب الله والضغط على الراي العام اللبناني والعربي ، بهدف عزل المقاومة. واذا ما نجحت هذه الخطة التي يشرف عليها سياسيا ديك تشيني ويديرها ميدانيا ديفيد وولش ، ولو بعد مدة ، وتحقق العزل والتطويق ، بالنسبة للمقاومة اللبنانية ، من جهة ، وبالنسبة لسوريا من جهة اخرى ، يصبح الخيار المطروح ، كما اسلفنا بداية ، اما التدجين والاحتواء واما الضربة العسكرية التي لا تشبه ظروفها الموضوعية ظروف تموز 2006 ، واما حلول الاحتلال باسم القوات المتعددة الجنسيات على كل الارض اللبنانية. لكن الشك في نجاحها يبقى اقوى بكثير من ذكاء تشيني وويلش ، اللذين اثبتت كل الظروف سوء تقديرهما لوعي الخصم وشجاعته.

مصادر
الدستور (الأردن)