ربما، استغرَبَ بعض السوريين من غير الموالين للسلطة، أو سواهم، مظاهر الحشد الجماهيري والإعلامي الاستثنائي بضخامته الذي قامت به السلطات السورية بمناسبة الاستفتاء الرئاسي، مستغربا (البعض) حاجة السلطة لمثل هذا الاحتشاد والدعوة الى الاستفتاء على رئاسة الدكتور بشار الأسد، ما دام لا يوجد أي منافسين له، وطالما، بحسب ما يعتقدون، ان النتائج مرقومة سلفا. كذلك، فعلى الأغلب، أن جهات سياسية إقليمية ودولية وجدت في هذه المظاهر رسائل مباشرة، قرأت فيها محاولة تأكيد السلطات لقدرتها ولشعبيتها، مظهرة مدى سيطرتها وقوتها في وجه من يعتقد بضعفها ويستهين بها أو يفكر في إسقاطها. وإنها (السلطة) حاولت إثبات أن شرعيتها وشعبيتها لا تقوم على محور أو هلال طائفي شيعي، من خلال إظهار شعبيتها على كامل مدى الطيف السوري، في كل مدنه ومناطقه. وبالتالي فإن موقفها من الأطراف اللبنانية المتصارعة أساسه سياسي بحت لا يقوم على بعد طائفي أو ديني.

إلا أن لهذا الاحتشاد دلائل تتعدى تلك الرسائل، رغم اشتماله عليها. فاللافت للانتباه أن هذه الواقعة تعطي للسلطة الحالية شرعية جماهيرية وشعبية جديدة بعد أن كانت طوال فترتها الدستورية السابقة تقوم على شرعية وراثية استمدتها من إرث السلطة السابقة، التي أسسها وبناها الرئيس الراحل حافظ الأسد. ولا يعني هذا إطلاقا تنكر السلطة الحالية لسابقتها ولا انقلابا عليها، بل هو استقلال عنها ليس إلا. فالأمر يتعلق، حصرا، بجانب الشرعية. وهذا ما أكدته اللافتات والصور والشعارات والمضافات، التي استوطنت شوارع وساحات المدن والبلدات السورية جميعها، حيث خلت تماما من ذكر للرئيس السابق ولمرحلته ولحركته التصحيحية، بل إنها خلت من ذكر حزب البعث القائد وذكرى تأسيسه وثورته، بل حتى شعاراته ومبادئه، بعد أن كانت مثل هذه التسميات والمناسبات، طوال السنوات السبع الماضية، هي المسيطرة والبارزة، مشكّلة الخلفية الشرعية للسلطة الحالية. إذ كان من النادر وجود صورة للرئيس بشار من دون صورة والده الرئيس حافظ الاسد، بل أحيانا كانت بعض المؤسسات تكتفي بالاحتفاظ بصورة الرئيس حافظ الاسد من دون تعليق صورة الرئيس الجديد الشاب، اعتقادا منها أن الدلالة الجديدة متضمَّنة بالثوابت السابقة، وأن السلطة الجديدة لا تتعدى أن تكون وصية على مآثر السلطة السابقة.

وبالتالي فإن السلطة الحالية أثبتت من خلال الاستفتاء الأخير أنها تمتلك شرعية لوجودها غير منقوصة: شرعية جماهيرية من دون أن تجد حاجة أو ضرورة لتحقيق شرعية انتخابية ديموقراطية، مُنهية بذلك ما أُخذ عليها في المرحلة السابقة بأنها وريثة غير شرعية لسابقتها، معلنة الحداد على مرحلة الرئيس حافظ الأسد، مكرسة تحول الرئيس بشار الأسد من موقع رئاسة الجمهورية إلى موقع القائد المطلق لسوريا أجمعها، خاصة ان اللافتات نقلت الكثير من الصفات والألقاب التي كانت حصرية للرئيس حافظ إلى القائد الجديد.

وقد يقرأ البعض أن في هذه الاحتشادات الضخمة عودة إلى آليات تسلطية سابقة كانت معتمَدة كإحدى وسائل تكريس الاستبداد، والتي راهن الكثيرون على تجاوزها والتخلي عنها. لكن أعتقد أن قراءة أخرى مختلفة يمكن أن ترى فيها تحولا في مستوى السياسات السلطوية والانتقال بها من المستوى الحزبي والنخبوي والقيادي إلى المستوى الشارعي والشعبوي. وهذا قد يشكل تمهيدا للحياة السياسية القادمة والمرتقبة على ضوء قانون الأحزاب الذي من المرجح أن يصدر قريبا، ما سيحول المنافسة السياسية والحزبية من مستوى الأفكار والطروحات والإيديولوجيات والاستراتيجيات إلى المستوى الشارعي. غير أنه من الصعب الجزم أن تكون إدارة الحملة الاستفتائية تقصدت الأمر على هذا النحو وبهذا المعنى، إذ اشتملت الحملة على الكثير من المبادرات الفردية، إن كانت على مستوى المؤسسات السلطوية أو المؤسسات الخاصة والشخصيات الفردية. لكن هذا لا ينفي احتمال وجود فريق في السلطة أراد الاستفادة من هذه المناسبة لجهة تأكيد أو تثبيت سيطرته المستحدثة في مواجهة فرقاء منافسين يعتبرون أن ولاءهم للسلطة السابقة ولقائدها الراحل يعطيهم شرعية البقاء السلطوي، ما يجعلنا نتكهن أن صقلا جديدا على مستوى الدوائر الأعلى في السلطة قد تم، أو أنه سيُنجز خلال الفترة القريبة القادمة، أساسه الولاء المطلق والكلي للقائد الجديد الشاب من دون الحاجة الماسة إلى مرجعيات أخرى.

لكن بغض النظر عن مقصد الجهات السلطوية من هذا الاحتشاد الاستفتائي، فما لا ريب فيه أن مرحلة جديدة بدأت في سوريا أساسها تكّون سلطة جديدة بشرعية جديدة، ستخط لنفسها خطوطا تفصيلية جديدة إن كان على صعيد السياسة الخارجية أم على صعيد سيطرتها الداخلية. إلا أن هذا التأسيس يبقى غير واضح المعالم والتوجهات والاتجاهات المستقبلية. فالشعارات المطروحة والمنشورة في الشوارع وفي الإعلام لا تبيّن ملامح الأفق القادم. إذ تخلو هذه الشعارات من تبني طروحات نظرية وإيديولوجية تشكل ثوابت أو مرجعيات للسلطة الجديدة في مواجهة التحديات القائمة أو القادمة، ما يجعل من الصعب استشراف الآليات التي ستنتهجها السلطة الجديدة والأهداف التي ستسعى إلى تحقيقها في المدى القريب أو البعيد، وسيكون علينا انتظار مضي بعض الوقت لتنجلي صورة هذه السلطة الجديدة جيدا.

أما الشعارات التي تربط، أو بالأحرى ترهن، هذه السلطة بفكرة المقاومة ومواجهة الخارج المعتدي، فهذه لا تشكل مرجعية ولا تحدد استراتيجية. ففكرة المقاومة بمقامها العام مقولة متحولة ومتبدلة وذات طبيعة راهنية، مرتبطة بتوفر عدوان وجهة معتدية، وما إلى ذلك من أمور لا تقوم عليها دول.

هذه الحال الجديدة للسلطة السورية، تجعلني أعود للتأكيد مرة أخرى أنه يجب على الأطراف السياسية والدولية، المحلية والخارجية، اعتماد سياسات وآليات وخطابات جديدة قوامها الرئيسي التفريق بين السلطة الحالية والسلطة السابقة على كل الأصعدة، واعتبار أن هذه السلطة ما زالت في طور التشكل البنيوي والأيديولوجي. وهذا يعني أن توجهاتها ما زالت غير محسومة بعد، وأن التحديات القادمة هي التي ستدفعها لاختيار توجه أو آخر.

مصادر
السفير (لبنان)