يمكن تصنيف أو النظر إلى الأحزاب السياسية في أي مجتمع بأكثر من طريقة، ومن بين التصنيفات التي يمكن اعتمادها، هو التمييز بين أحزاب عقائدية وبين أخرى غير عقائدية.

والأحزاب العقائدية، هي الأحزاب التي يجمع بين أفرادها الإيمان أو الاعتقاد برأي أو نظرة أو فكرة عامة شاملة تتناول مجمل شؤون الهوية الحضارية، وشؤون الحياة والكون، ويفترض بهذه الأحزاب أنها تختلف اختلافاً جوهرياً عن الأحزاب غير العقائدية، أي الأحزاب التي تنشأ انطلاقاً من مكانة فرد أو مجموعة أفراد، تربط بينهم مصالح محددة خاصة، فتتيح لهم هذه المكانة لمّ أعداد من الناس يتدرجون هبوطاً في المكانة وفي رابطة المصلحة الخاصة، فيشكلون حزباً قاعدته مصلحة أفراد محددين في الوصول إلى السلطة، وبالتالي التمكن أكثر من خدمة هذه المصالح الخاصة عن طريق ممارسة السلطة، ولأن هذه الأحزاب لا تقوم على فكرة عامة بعيدة المدى، فإن استمرارها متعلق ببقاء الأفراد أو ورثتهم.

ويفترض بالأحزاب العقائدية أنها تختلف جوهرياً أيضاً، حتى عن الأحزاب التي قد تمثل مصالح شريحة واسعة من المجتمع، كالفلاحين أو التجار أو العمال أو الصناعيين... ومع ذلك فإن هذه الأحزاب الأخيرة، ومهما أشادت من عمارات فكرية، ومهما فلسفت فكرتها ورؤاها - وبعضها فعل ذلك - فإن جوهرها يبقى قائماً على مصلحة تلك الشريحة من المجتمع، ويبقى الانتماء أو الانتساب إليها، مرهوناً بالانتماء أو الانتساب أولاً وسلفاً، إلى الشريحة التي يمثل ذلك الحزب مصالحها، بينما الأحزاب العقائدية الأخرى، يفترض أنها قادرة على احتواء أعضاء من جميع شرائح المجتمع وطوائفه ومذاهبه وأعراقه.

والأحزاب الدينية، بصورة من الصور، هي أحزاب عقائدية، لكنها أيضاً غير قادرة على احتواء كافة شرائح المجتمع، بل تمثل طائفة أو مذهباً أو جزءاً منهما. لكنّ الاختلاف الجوهري الأهم، هو أنه حين تبتلى الأحزاب العقائدية غير الدينية بمرض، فأخطر هذه الأمراض، هو تحكم عقيدة (الديكتاتورية) بحاضرها ومستقبلها، أما الأحزاب الدينية ف(سلفاً) تتحكم بها (ديكتاتورية)

العقيدة، ولم نضع (سلفاً) بين قوسين عن عبث، فهي - أي الأحزاب الدينية - واقعة تحت عبء إشكالية عويصة، هي العلاقة بين العقل والعقيدة الدينية، ومهما كثرت التفسيرات والتبريرات ومحاولات ردم الهوة بينهما، فإن هذه الإشكالية حقيقة واقعة. إن عرض كل ما سبق، هو من أجل عرض المسألة الحاسمة في مصير أهداف أي حزب، حين يقع التناقض مسبقاً - أو مع الوقت - بين الأساس العقدي الذي أنشئ عليه الحزب، وما يفترضه من بنية تنظيمية منسجمة مع ذلك الأساس، وبين البنية التنظيمية الواقعية التي تنشأ مع الوقت. فالحزب الذي يؤسس - مثلاً - على نظرة عامة للحياة والكون، من أجل تحقيق المصالح العليا للمجتمع والدولة، فإن هذا يفترض بنية تنظيمية قائمة على الإيمان بتقديم تضحيات بالوقت والجهد والمال... أي مشبعة بالوعي بثقافة الشأن العام، هكذا حزب لا يمكن له، بأي حال من الأحوال، أن ينجح في التقدم نحو تحقيق أهداف عقيدته، إذا كانت بنيته التنظيمية الواقعية، قائمة على التدرج في المكانة وفي المصالح الخاصة، وهذا الأمر يمكن عكسه تماماً، فالحزب القائم على المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية/ المالية لفرد أو مجموعة أفراد، تربط بينهم مصالح خاصة، لا يمكن أن يحقق تلك المصالح الخاصة، أفراد يؤمنون بالعمل العام والتضحية من أجل المصالح العامة؟ إن أحد أهم الأسباب لفشل الأحزاب العقائدية ذات النظرة العامة، هو التناقض بين عقيدته الإيمانية، وبين سلوك أفراده القائم على تحقيق المصالح الخاصة، وهذا الشأن تتكشف تفاصيله في عموم الحياة الحزبية في بلدنا.

والتقدم الظاهري الذي يمكن أن يحققه حزب ما، مع وجود التناقض المذكور، هو تقدم موهوم ومآله في النهاية الفشل، فالوصول إلى الحكم أو السلطة أو الاشتراك فيهما، ليس نجاحاً، البدهي أن يكون النجاح، هو في التقدم نحو الغاية أو الأهداف التي حددتها العقيدة.

مثلاً، وفي حين لم تتراجع قضية الهوية والوحدة العربية، تراجعاً أكثر من هذا التراجع الذي وصلت إليه الآن! فأي معنىً حقيقي إذن يعنيه نجاح الأحزاب التي أساس عقيدتها الإيمان بالعروبة كهوية وبوحدة هذه الأمة العربية، في وصولها إلى الحكم؟ وإذا كانت قضاياها الأساسية تراجعت هذا التراجع الخطير، فما الذي نجحت به إذن؟ وبالتالي: ما معنى أنها تحكم؟ أو ما معنى أنها تشارك في الحكم؟.. وهذا ينطبق أيضاً على الأحزاب التي تعتقد بالأمة السورية، أو على الأحزاب التي تعتقد بالفكرة الأممية... أليس الوصول إلى السلطة، أو المشاركة فيها، طالما أن العقائد وأهدافها في وادٍ، والنتائج العملية لتحقق هذه الأهداف في وادٍ آخر، يعني بكل وضوح، أن هذا الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، هو فقط ومع حسن النوايا، وصول و مشاركة بمغانم السلطة والتمتع بها؟ أما النضال من أجل العقيدة والوصول إلى فكرتها، والسعي لتحقيق أهدافها وغايتها، هو شيء طواه الزمن؟ أو هو، في أحسن الأحوال، غائب عن السمع والنظر والفهم؟

هنا يعود السؤال التقليدي ليطرح نفسه من جديد: هل المشكلة في العقائد والبناء الفكري للأحزاب؟ أم المشكلة في البنى التنظيمية وما يتحكم بها من أمراض وعلل؟ هل حقيقة لم تعد الوحدة العربية أو الوحدة السورية، أو تحقيق الاشتراكية أو النضال العالمي.. كل هذا وغيره كثير، هل حقيقة لم يعد بالنسبة للأحزاب أساساً ومرتكزاً جوهرياً تحتاج إليه في عملها العام؟ إذن ما الأسس التي تعتمدها كمقياس لنجاح أو فشل عقيدتها؟ لماذا لم نعد نسمع من يلهج ليل نهار بالوحدة العربية أو الوحدة السورية أو اتحاد عمال العالم..؟ حتى التضامن العربي وليس الوحدة العربية، إذا وجد من يطرحه، يطرحه بخجل..

وحتى النموذج (السوري/ اللبناني) لكيانين من كيانات سايكس - بيكو، صار نموذجاً معاكساً لما أريد له! فما الذي فعلته وتفعله هذه الأحزاب في الزمن الماضي حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ كيف أضاعت الوقت وبماذا أضاعته؟ وما حاجتنا إلى أحزاب تخجل من عقائدها؟ وحتى على المستوى الوطني، ما حاجتنا إلى أحزاب إذا أرادت أن تتحدث عن الوحدة الوطنية، فإنها تستقدم إلى مؤسساتها ومنابرها السياسية الشيخ والكاهن!! ومبادئها تقول أن الدين لله والوطن للجميع، وتقول بمنع رجال الدين من التدخل بشؤون السياسة.. هل هذه (موضة العصر)!! أين صوتها (هي)؟ وهل حقيقة أنها لا تملك ما تقوله، أم أن واقعها يجعلها تخجل من قول أي شيء؟ أية أحزاب علمانية هذه؟ وهل تدرك، بفعلها هذا تحديداً، الخطيئةَ التاريخية الكبرى التي ترتكب؟ فلحساب من يجيّر كل ذلك!؟

إن أي مفكر أو فيلسوف أو صاحب فكر اجتماعي سياسي، لا يمكن أن يؤسس حزباً ثم يفتشَ عن عقيدة لهذا الحزب! بل هو يتناول أحوال أمته أو شعبه، يفكر أولاً بهوية هذه الأمة أو الشعب، ثم يفكر بالأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذا الضعف وهذه الدرجة من المرض، وعلى قاعدة نظرته إلى الهوية من جهة، وأسباب الضعف والمرض من جهة ثانية، يضع الحلول النظرية، يضع العقيدة التي يراها الحل الأساسي لكل المصاعب التي تؤخر أمته أو تهدد مصيرها، ثم في النهاية يفكر ب(الوسيلة)

المناسبة والقادرة أن تحوّل كل ذلك التفكير الذي اختصاره العقيدة، إلى إجراءات عملية وأفعال حسية تغير في أحوال أمته في اتجاه التقدم الآمن، ووسيلة أي تفكير سياسي عام هو الحزب السياسي فقط، إذن الحزب - أي حزب - هو وسيلة لغاية محددة تسبق إنتاج الوسيلة، لكن - وهنا خطورة المسألة - إذا اختفت أو غيبت الغاية، وبقيت الوسيلة واستمرت بحكم أسباب ما، ألا يجعل ذلك منها غاية بذاتها؟ ومن المسؤول عن تلك الأسباب؟ وفي النتيجة ما الغاية من وجود وسيلة لا غاية لها؟ ومن يستثمر هذا الوجود وكيف؟ ومن المسؤول عن استمرار هذا الواقع؟ وما الطرق المستخدمة تحايلاً وفساداً وإفساداً في استمراره؟

هذا الواقع يميز ثلاثة أنواع من الأفراد المحسوبين على العمل الحزبي: أفراد يستثمرون هذا الواقع، متصارعين على المغانم المالية أو على المكانة السياسية.. أو على الاثنتين معاً، منتجين من هذا الصراع للحياة الحزبية، لعبة وآلية جهنميتين، وليس عندهم أي وقت أو اعتبار لعقيدة أو غاية. أفراد يرفضون هذا الواقع، لكنهم يصمتون عنه، وذلك تحت عنوان الخضوع لما يدعى تزويراً (النظام)، متجاهلين بقصد أو غير قصد، أن النظام وضع أساساً لخدمة قضية محددة يراد تحقيقها، وأنه باختفاء القضية لا يعود لوجود النظام أي مبرر على الإطلاق! أفراد يرحلون بعيداَ بحكم سيف النظام، حاملين أمراضهم الشخصية، وعاجزين عن تغيير هذا الواقع، وحيث تصبح أية محاولة منهم لإصلاح هذا الواقع وتغييره، هو دخول لا إرادي في اللعبة والآلية الجهنميتين، فيصبحون جزءاً من اللعبة والآلية اللتين يعملون لمحاربتهما! ومن هنا هما لعبة وآلية جهنميتان.

من هنا يكون الجواب على السؤال: هل يمكن إصلاح ما هو غير صالح لحمل مشروع نهضوي (كما ورد في الجزء الأول)، للأسف نرى أن الجواب (لا) حتماً، ولأسباب تعود إلى التجربة التاريخية لعمل الأحزاب، حيث لم تزل الأحزاب كوسائل ومؤسسات قديمة قدم العقائد، فإذا كانت العقائد - وهذا من طبيعتها - عمرها وصلاحيتها مديدان، لأنهما تتناولان هوية أمة ومعضلاتها، فهذا لا ينطبق على الوسائل، التي يجب أن تتطور مع العصر، فكراً مؤسساتياً/ سياسياً، إدارة حديثة واقتصاداً فعالاً، آليات ديموقراطية منتجة لسلطة حقيقية تكفل الحرية التي هي الكفيل الوحيد لإبداع طرق وآليّات تحقيق الأهداف. إذن، حيث لا يمكن الإصلاح، وحيث لابد من تفعيل العقائد كموجه وضابط للقرارات الكبرى في حياة الأمة، وحيث لا يمكن أن يأتي وقت تكون فيه الوسائل أهم من الأهداف وبديلاً عنها، وحيث أن قيمة الوسائل هي فقط في قدرتها على المضي قدماً في تحقيق الأهداف، فلا بد من التأسيس الجديد الحديث لوسائل حديثة، وعدم إضاعة الوقت في الصراع على وسائل انقضت فعاليتها ربما إلى الأبد