هذه الحصيلة المرة من موت ودم ودمار ، حسمت من حساب من؟ واذا كان لها ان تحصل افلم يكن قدرها الطبيعي ان تحصل مجتمعة في مواجهة اسرائيل؟ انتهت احداث نهر البارد ، بمئات الشباب الذين سقطوا في صفوف الجيش وفتح الاسلام ، بدمار المخيم وتشريد الاف الفلسطينيين ، بجر الجيش رغما عنه الى معركة داخلية كان يرفضها باستمرار ، هو المؤسسة الوطنية الوحيدة في لبنان التي ظلت على تماسكها وعلى قدرتها على توحيد اللبنانيين حولها. بل والاكثر من ذلك اجبار الجيش على امر خطير كان يرفضه بعناد واع: تغيير عقيدته العسكرية من معاداة اسرائيل ومحاربتها الى معاداة الارهاب ومعاداته. كان ميشال سليمان وقيادته يعرفون بعمق ما يعنيه هذا التغيير ويرفضون وضع جنودهم في خدمة الحرب الا ميركية على الارهاب. فدخلت اشباح الظلام الى مخادع الجنود وذبحتهم فيها مما اضطر الجيش للرد ، وتذبذبت الحكومة المعروفة بارتباطاتها في مد الجيش بما يلزمه من عتاد للحسم السريع ، فطال امد المعركة اكثر مما كان متوقعا. كان يراد للجيش ان ينهك وكان يراد للمخيم ان يدمر ، وكان البعض ياملون بان يولد انفجار البارد صراعات اخرى ، كما كان البعض الاخر يريدون ان يصار الى التخلص ، موتا او فرارا ، من عناصر فتح الاسلام الذين يحملون في صدورهم سر استقدامهم الى لبنان وتمويلهم وتسليحهم سر لا ينفصل عن كون هذا القدوم جاء فور انتهاء حرب تموز مع العدو الاسرائيلي ، وانتهائها بالتحديد على وجه لم يكن الكثيرون من اللبنانيين يتوقعونه ، بحيث حرك بهجة البعض وفخاره وانزعاج البعض وضيقه. اريد الاعداد لتخريب النصر الذي حققه حزب الله والمقاومة اللبنانية والجيش ، باشعال ما يمكن ان يحقق في الداخل ما عجزت اسرائيل عن تحقيقه من الخارج. اريد الافادة من اجواء الشحن الطائفي لتشكيل ميليشيات تدعي حماية السنة ، ومن ثم ضربها بالجيش وبحزب الله ، الطرفين المعاديين لاسرائيل. اريد تخريب المخيم وضرب الوجود الفلسطيني في لبنان تمهيدا لعملية التهجير والتوطين ، قبل حلول الحلول التي تطبخ للقضية. واريد ايضا سحب عدد لا باس به من المقاتلين الذين كان من الممكن ان يذهبوا الى العراق ، ليزيدوا في ازمة الاميركيين ، سحبهم الى لبنان وضربهم بجهة وطنية لبنانية ينهونها وتنهيهم ، وربما نجحوا في تفجير حرب اهلية طائفية جديدة تنهي الجميع. لم يكن كل مقاتل معمي العينين يفهم ما الذي ينفذه في نهر البارد ، ومن وماذا يخدم. لكن كان وراء التنظيم كله من كان يعلم ويعرف ويخطط ، في خارج لبنان وفي داخله. وكان بين اللبنانيين والعرب قلة قادرة على التحرر من عقدها وحساسياتها وتقدير الوضع تقديرا صحيحا. فراأينا على سبيل المثال سيد المقاومة يصرح بان الجيش خط احمر والمخيم خط احمر. ورأينا الرئيس اميل لحود يوضح من بداية الازمة ان الامر مرتبط بقصة التوطين والغاء حق العودة. ورأينا سياسيين ووسائل اعلام تكشف مخطط ديك تشيني لسحب الاسلاميين المعادين للاميركيين وتوريطهم وضربهم في ساحات بعيدة ، راينا وسائل اخرى تتحدث بالتفصيل عن مشروع التوطين تمهيدا للتهجير ، وربطه بتوطين مسيحيي العراق. ورأينا على الصعيد الداخلي ، الاوراق تنكشف عن علاقة الفريق الحاكم بفتح الاسلام ووقوفه وراءه في البداية حتى تمكن ، ثم تركه يخوض معركته وحيدا عندما ان الاوان. وراأينا الشيخ ماهر حمود يقول ان الحل هو في ان يهرب الكبار ويسلم الصغار انفسهم وها نحن نجد ان الامور قد انتهت ، كذلك ، فمن الذي يعرف اذا كان شاكر العبسي قد قتل فعلا؟ ومن يعرف اذا كان سيتم تكليفه بدور جديد؟ من يؤكد ان الجثة التي دفنت في مدافن الغرباء في طرابلس هي جثة ابو هريرة ، بعد الرواية الخيالية الخرافية التي رويت عن القاء القبض عليه على يد عناصر قوى الامن ، وهي جهاز ينتمي الى خط السنيورة الحريري ، اول المعنيين باخفاء الحقائق. (على عكس الجيش) المهم الان، هل سيعاد بناء المخيم ام انه فعلا سيباع للاميركيين لاقامة قاعدة تتصل بالبحر؟ هل سيعاد ابناؤه اليه ام ستتم بعثرتهم تمهيدا لتوزيعهم بين مهاجر الى كندا واستراليا وبين موطن؟ هل سيتخذ من نهر البارد سابقة لما يسمى بسط سيادة الدولة داخل المخيمات ، وماذا سيكون مصير التنظيمات المسلحة خاصة جماعة احمد جبريل؟ هل ستنفخ رغوة الصابون حول تمكن الجيش من القضاء على هذه الخلية المكونة من عملاء وجهلاء ومساكين ومقهورين ومعميين ، من مسيرين بكسر الراء ومسيرين بفتحها ، لجعل هذه النهاية مساوية لنهاية حرب تموز في مواجهة العدوان الاسرائيلي ، في محاولة للتقليل من شان النصر الكبير ، وفي محاولة اخرى للايقاع بين الجيش والمقاومة اللبنانية ، تمهيدا للمطالبة بتسليم سلاح المقاومة للجيش؟ او لمحاولة اشعال جبهة جديدة على خط المؤامرة التي يبدو العماد ميشال سليمان بالغ التنبه لها عبر حديثه مع جريدة السفير ليوم امس. ولنا معه وقفة اخرى.

مصادر
الدستور (الأردن)