«الإجراءات الأمنية المشددة غير العادية» التي تفرض عادة أثناء عقد اللقاءات والمؤتمرات الدولية, باتت شبه عادية, أو على الأقل اعتاد عليها الاعلاميون, فلدى وصولنا الى مطار الكويت الاثنين الماضي لتغطية وقائع اجتماع وزراء خارجية دول جوار العراق الموسع, نبهنا أحد العاملين في السفارة السورية الذي جاء لاستقبالنا, أن مربعاً أمنياً قد فرض في محيط فندق الشيراتون حيث سينعقد الاجتماع, يمنع دخول أي سيارة غير السيارات الممنوحة ترخيصاً بذلك, وبالتالي سيصعب علينا دخول الفندق ما لم تنقلنا سيارات السفارة. أحدنا علق همساً على كلمة مربع أمني بالقول: «إذا قسنا مساحة الكويت الى مساحة الطوق الأمني الذي فرض في اسطنبول أو شرم الشيخ أثناء انعقاد الاجتماعين الأول والثاني فالكويت كلها ستكون مربعا أمنياً». فحين عقد المؤتمر في اسطنبول تشرين الاول €اكتوبر€ الماضي, كانت هناك تهديدات من المجموعات الكردية بالرد على ملاحقة حزب العمال الكردستاني الى داخل الحدود العراقية, وترجمت المخاوف التركية الى اجراءات أمنية بالغة الشدة, ما أدى الى ضرب طوق أمني على بعد كيلومترات عدة من مكان انعقاد المؤتمر. أما في شرم الشيخ, فكان الأمر مختلفاً, اذ تزامن عقد مؤتمر دول الجوار مع مؤتمر وثيقة العهد الدولي بما يعنيه ذلك من حضور عدد كبير جدا من المسؤولين الدوليين. بالإضافة الى تزامن هذين الحدثين مع زفاف نجل الرئيس المصري جمال مبارك, الأمر الذي حول شرم الشيخ بأكملها الى بقعة أمنية ساكنة الحركة. في الكويت بدا الأمر مختلفا بلا شك, فلدى وصولنا الى الموقع, فوجئنا بأن المربع الأمني لم يتجاوز اتجاهاً واحداً من الشارع المار أمام الفندق, فيما الاتجاه الآخر مفتوح, والسيارات غير مسموح لها بالتوقف أمام باب الفندق, فسخرنا من هذه الاجراءات التي وجدناها على الرغم من تشددها متساهلة قياسا الى ما سبق وتعرضنا اليه في اسطنبول وشرم الشيخ, من تفتيش وتمحيص ومنع. دخلنا بهو الشيراتون بعد تفتيش روتيني أي «غدا روتينياً» بعد احتلال العراق, وتحول شرق المتوسط الى مربع أمني كبير, وكأمر واقع صرنا لا نتقبل التدقيق المزعج وحسب, بل ونطالب به, ونحصي عدد رجال الأمن في أي موقع ونزين أخبارنا بعددهم, من باب التدليل على أهمية وضخامة الحدث, ونتساءل ضمناً عما اذا كان عددهم كافياً لحماية السياسيين, وبالمعية حماية رهط الاعلاميين المكومين حول مواكبهم... بما معناه «بحجة الورد يشرب العليق». لكن هذا العليق لا يشرب الماء الا بطلوع الروح, فالإعلاميون أنفسهم ضمن المشتبه بهم دائماً, ومعداتهم الخفيفة والثقيلة تتعرض للفكفكة, وحقائبهم للبحبشة, فهناك سوابق لعمليات ارهابية قام بها أشخاص انتحلوا صفة اعلاميين, هذا عدا الشبهة الملتصقة بهم وهي الجاسوسية أو الارتباط مع أجهزة مخابرات وطنية أو أجنبية, ما يجعل الاعلامي على رأس قائمة المشكوك فيهم, وأيضا أول الضحايا المحتملين, وعندما نبرز البطاقة المخصصة للإعلام نواجه بنظرات حائرة, من ناحية لا يمكن منعنا من ممارسة عملنا, ومن ناحية ثانية, لا توجد تعليمات بإدخالنا الى كل الأمكنة... وينتهي الأمر الى طردنا خارجا حتى تصدر تعليمات مغايرة, أو يأتي الفرج من مسؤول يشفع لنا. المشكلة ليست في تأمين سلامة وأمن المشاركين الكبار, بل في الوقت الذي تلتهمه تلك الاجراءات, والعرقلة التي تسببها للعمل الاعلامي. وفي الكويت, شكا الزملاء الكويتيون من حبس الاعلاميين في مركز اعلامي يقع في قاعة خلفية من الفندق, جهزت بمائدة طعام مفتوحة من العاشرة صباحا الى العاشرة مساء, حافلة بتشكيلة واسعة مما لذ وطاب من مأكولات ومشروبات, مع عدد من أجهزة الكومبيوتر والهواتف والفاكسات, لكن كل ذلك لا يفيد, اذا لم يسمح لهم بالتسلل من المركز ساعة يشاؤون لاصطياد اللقطات والمعلومات من مسرح الحدث. بينما على العكس, اعتبر زميل سوري توافر الطعام على هذا النحو الهائل, مؤامرة ضد الاعلاميين كي يأكلوا حتى التخمة وتتعطل مجسات الاستشعار عن بعد لديهم, فيميلوا الى التقاعس والاسترخاء, بدل الركض وراء الحدث بمعدة مملوءة. فيما اعتبرت زميلة كويتية اغداق الطعام جزءاً لا يتجزأ من الكرم الكويتي المعروف في مثل هكذا لقاءات, مشيرة الى أن مؤتمر القمة في سوريا, لم يقدم الا السندويش للإعلاميين في ساعة واحدة محددة, ومن فاته قطار السندويش, حُكم عليه بالتضور جوعا, وبالتالي تعطل ملكاته الفكرية, الا أنّ آخرَ ردَّ هذا السخاء الى ادارة فندق شيراتون الكويت لزيادة حجم الفاتورة الواجب تسديدها على الحكومة... الخ من احتمالات لا شك في أن الاعلاميين سيبنون من حبتها الصغيرة قبة هائلة الحجم, حين تحجب عنهم فرص متابعة الحدث بحرية, فبسبب غياب التعليمات بتوسيع هوامش حركتهم بين الوفود, تغيب المعلومات وتقل فرص التقاط فلاشات خاصة, تُغني خلفية الحدث مما يميز الخبر, والتي من أجلها يتكبد الاعلامي عناء السفر وإذلال التفتيش والصد والرد. فيصدر خبر واحد موحد للجميع تتناقله الوكالات والتلفزيونات وتوسعه الصحف تحليلا وتعليقا وضرب مندل لفهم حقيقة ما يجري في الاجتماعات المغلقة وتحت الطاولات. ودائما هناك مفاجأة غير متوقعة, فالسعادة التي عبر عنها الوزير الفرنسي برنار كوشنير بعد لقائه نظيره السوري وليد المعلم, لا تعكس بالضرورة حقيقة ما دار بينهما, ولا يمكن بناء توقعات عليها باستئناف مساعي البلدين المعلقة في الملف اللبناني. كما لا يمكن قراءة الابتسامة الساحرة التي أغدقتها كوندوليزا رايس أمام الكاميرات بأنها تعبير عن رضا ادارتها عن تعاون دول جوار العراق, وليست كي تظهر الصورة أجمل وما خفي كان أعظم. الكثافة الأمنية تفرغ أهمية الكثافة الاعلامية من فحواها, ويصبح وجود اعلامي واحد مثل وجود ألف اعلامي, والخبر يعطى للجميع مثل الوظيفة المدرسية أو القصاص الجماعي, والمفارقة أن مهمة الاعلام تتحول من نقل للمعلومات وتسجيل للوقائع الى عملية تضخيم ومبالغات وتسليط أضواء, كوجه آخر من وجوه التضليل الاعلامي الممارس غالباً عن حسن نيات مهنية, ومرتع خصب لأسوأ النيات السياسية طالما لا مرد لقضاء المربعات الأمنية وقدرها.

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)