توحي مباحثات التسوية غير المباشرة التي ترعاها حتى الآن تركية أنها أشبه بإعادة "ترتيب" الأوراق لكل دولة على حدة، فخارج الخطي الكلاسيكي لأي موضوع يتعلق بالتسوية تأتي هذه المباحثات قبيل الانتخابات الأمريكية، وبشكل يقدم مؤشرات على أنها تسعى لترتيبات إقليمية بالدرجة الأولى، فحتى لوا استعرضنا بشكل مطول "أزمات إسرائيل"، فإن المسألة الأساسية أن المنطقة ومع قدوم الرئيس الأمريكي الجديد ستعيش آليات جديدة لنتائج احتلال العراق، أو بشكل أعم "الحرب على الإرهاب"، فالحسابات الإقليمية تقوم بتحضير سيناريو سياسي يحاول إدخال أكبر قدر من الأطراف الدولية بأي تفاهم شرقي أوسطي، سواء تعلق بالتسوية أو المصالحة اللبنانية أو حتى استيعاب نتائج احتلال العراق.

بالطبع فأي طرف جديد يعرف أن الشرق الأوسط لم يعد سياسيا على الأقل خاضع لمعادلة واضحة، فالمؤثرات التي تتحكم بأزماته متغيرة بشكل كبير بعد أن قامت الولايات المتحدة بالحد من "سلطة الدولة" بعد تجربة العراق ثم لبنان، وربما على الهامش فلسطين، كما ان تجربة ثلاثة عقود من التسوية تشير إلى أمرين أساسيين:

- الأول أم مسألة "السلام" مرتبطة بالبنية الاجتماعية أكثر من كونها اتفاقيات قادرة على التحكم بالعلاقات داخل الشرق الأوسط، وعلى الأخص بعد الخلل الاستراتيجي الذي أصاب الشرق الأوسط بعد احتلال العراق، فهناك نوع من التحدي لإعادة رسم الجغرافية – السياسية وفق أسس لا تحمل في داخل تكوينا قادرا على استيعاب "السلام" ولا حتى "التسوية" التي ظهرت عبر الاتفاقيات من "كامب ديفيد" إلى "أوسلو".

- الثاني هو أن "عملية التسوية" لا تملك آلية قادرة على النفاذ إلى "الحياة السياسية" في الشرق الأوسط، والموضوع الرئيسي فيها أنها لم تعد مرتبطة بـ"الثقة" بين الأطراف أو حتى الجهات التي ترعاها، إنما بالتراكمات التي حدث منذ انطلاق "المحاولات الأولى" للتسوية في مدريد، فهذا الخيار تشعب وارتبط بأزمات إضافية لا ترتبط مباشرة بالصراع العربي – الإسرائيلي.

حديث "التسوية" اليوم يسير وفق اتجاهات مختلفة تماما عن الرؤية التي ظهر عليها سواء في القرارات الدولية منذ عام 1967 أو حتى بعد تجدد الحديث عن "السلام" عام 1991، فهو اتجاه "ملتبس" لأنها يقوم على "إنهاك" المنطقة سياسيا، حيث لا يمكن البحث عن أي "مجال استقرار" أو تحول في موازين القوى في ظل توسيع "هامش" الصراع من العراق إلى لبنان إلى فلسطين، وتصبح التسوية ضمن هذه الظروف "هدنة مضمرة" أو محاولة لتحييد بعض عوامل الصراع للبحث في الأزمات الإضافية....

الجهل الأمريكي بدأ في رسم "التسوية" على شاكلة حل الأزمات في العالم، وتجاهل للثقافة الاجتماعية ونوعية الصراع القائم، وهو مستمر اليوم وفق صورة "التجاهل" لما يحدث، وهو ما يجعل "التسوية" تسير ضمن مجال خطر يمكن أن يؤدي توقفه لانهيار جديد على مستوى البحث عن الاستقرار.