الكلام هو فقط للتوثيق، فهناك قناعة عامة أن مسألة التحرك السياسي أو استعداد "النظام العربي" لدفع "ثمن القوة" هو شأن ليس مجال بحث أو جدل، وربما باستطاعتنا "التباكي" على ما حدث أو التعامل بالندب، لكن المسألة لا تحتمل "القيم القديمة" في الوقوف على الأطلال، فالتحليلات ستقف عند نقطة واحدة مرتبطة أساسا بقدرة السياسة العربية على دفع ثمن "فك الحصار"، وهو ما قامت به تركيا لتدفع بمصالحها في عمق الشرق الأوسط أو العالم العربي. "استقرار مصالح" النظام العربي هو جوهر التعامل السياسي اليوم، فهناك نوع من التوازن الذي يراه هذا النظام ما بين "الوجود الإسرائيلي" وطبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة، وهذا التوازن الذي يفسره البعض بـ"التواطؤ" يحدد الحركة السياسية التي تكتفي فقط بعدم المغامرة، ولا تعتمد "الاحتمال" في التعامل الدولي، وفي المقابل فإن رفع درجة احتمالات التوتر تأتي فقط من "الوجود الإسرائيلي" الذي لا يحد فقط من نفوذ دول الشرق الأوسط بل يدفع أيضا لإدخالها في صراع دائم مع مجتمعاتها نتيجة اعتماده على قناعات النظام العربي بـ"استقرار مصالحه". ما نحن فاعلون هو سؤال صعب ربما يدخلنا إلى مسألة "الإنتاج السياسي" ليس على الصعيد الرسمي، بل في مجال المجتمع الذي يتلقى نتائج "احتمالات الوجود الإسرائيلي"، وربما يستهلك الإنتاج الإعلامي وكأنه حالة مستقلة عن وجوده وبنيته التي تبدلت كثيرا نتيجة الإخفاق في عملية "الإنتاج السياسي"، فهذه العملية انحصرت في مسائل "تداول السلطة" عند البعض وهو "هم" ألغي أحيانا أسئلة الوجود الاجتماعي التي كانت عنوانا في الخمسينيات، وفي جميع المراحل التاريخية فإن هذا "الإنتاج" بقي متعثرا. أسطول الحرية والمجزرة التي وقعت عليه لن تكون عامل تحريض ذاتي، لأن المجتمع خبر مجازر أكبر، لكنها في المقابل قدمت من جديد الأسئلة الأساسية حول تقلص "الوجود السياسي" حتى على جغرافيتنا، ورغم عدم القدرة على التكهن بما يمكن أن تقوم به تركيا بعد هذا الأمر لكن من الضروري التوقف مجددا عند إشارات الاستفهام المتعلقة بحقيقتنا أو سيادتنا على أنفسنا أو حتى على مصالحنا، فقراءة هذه الأسئلة ربما تخرج نوع "التفكير" الذي يعيد صياغة المصالح الاجتماعية من جديد. المؤسسات التي تقوم اليوم بعملها ضمن "الروتين" الاعتيادي لم تعد قادرة على إيجاد الأجوبة، في المقابل فإن العالم المعاصر أقحمنا بتكوينات جديدة كان من المفترض أن تكون داعمة للمصالح الاجتماعية لكنها تشتت نتيجة عدم التحديد الخاص لتلك المصالح، فما نحن فاعلون ربما يبدأ من نقطة نرى فيها "وهما" قائما على تكوينات تبدو أحيانا سياسية وأحيانا أخرى اجتماعية لكنها في النهاية لا تستطيع مواجهة "الحقيقة" لأنها تسبح في حالة من غموض المصالح، فالنظام السياسي العربي هو وليد هذا العماء الذي يتم تدعيمه يوميا بكم جديد من المصطلحات والمؤسسات والمبادرات وفي المحصلة فإن "الإنتاج السياسي" هو "صفر مكعب" كما كان أساتذتنا يقولون.