بالتأكيد فإن "المبادرة العربية لن تبقى على الطاولة إلى الأبد" حسب تعبير عمرو موسى الأمين العام للجامعة للعربية، فرغم أننا اعتدنا على تصريحات موسى التي يبدؤها وكأنه مخرج مسرحي قادر على وضع عناوين تغرقنا لاحقا بتفاصيل درامية، إلا أن مسألة "المبادرة العربية" تبدو نموذجا سياسيا كاملا يستحق أن يُدرس في الجامعات الأمريكية قبل العربية، فهو على ما يبدو كون أدبيات سياسية جديدة، ويبدو نقطة محورية في تشكيل أي موقف أو حتى في تحديد نوعية الإرادة السياسية. "المبادرة العربية" لم تكن يوما مشروعا سياسيا بقدر كونها إعادة هيكلة للنظام العربي ككل، فبغض النظر عن ظروف نشأتها أو الأحداث التي تلتها وعلى الأخص اقتحام مخيم جنين، أو عدم السماح للرئيس ياسر عرفات بحضورها، إلا أنها حولت المسار حتى داخل التفكير السياسي وفق اتجاهين: الأول هو مركزية العمل العربي الذي اعتبر أنه أنهى مهامه تجاه الموضوع الفلسطيني، وتحول نحو إستراتيجية مختلفة بدت في مراحل لاحقة متوافقة مع مسألة احتلال العراق، فمع المبادرة العربية أصبحنا أمام "شرعية" مختلفة في مسألة التعامل مع "إسرائيل"، الأولى تحت ظل المبادرة التي تقرر دائما وبغض النظر عن المعطيات الموضوعية على أرض الواقع ما يجب أن يكون، فتشرع المفاوضات المباشرة أو ترسم خطوط التحالفات الخاصة بالصراع مع "إسرائيل". فبعد "المبادرة" لم يعد هناك هامش للمناورة و"شرعيتها" هي التي حددت المواقف خلال حرب تموز أو الحرب ضد غزة، وأصحاب المبادرة نفسها هم الذي قاموا خلال قمة الكويت بإحياء مشروع "المصالحة" العربية أو حتى المصالحة مع "المبادرة" نفسها. الثانية توجيه النظر إلى الشرق الأوسط من زاوية "الصراعات المحتملة" وليس القائمة، فالمبادرة قامت بـ"تحييد" أزمة الشرق الأوسط القائمة على الموضوع الفلسطيني، وكنتيجة مباشرة أصبحت الصراعات "المتوقعة" تأخذ المساحات الأكبر، وربما كانت "المبادرة العربية" تريد الدخول إلى صلب تقسيم الأدوار الإقليمية على اعتبار أن شريكي السلام اللذان ظهرا في مدريد (الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة) تبدلا بشكل واضح، وأصبحت المساحة مفتوحة لأدوار جديدة، فـ"المبادرة" وكما يدل اسمها قامت بعمل استباقي على الصعيد السياسي حسب اعتقاد واضعيها، ثم أصبحت في مواجهة الحروب الاستباقية، فتحولت السياسة نحو صراعات محتملة مع إيران واليوم مع الدور التركي وتوسعه في الشرق الأوسط. المبادرة لن تبقى على الطاولة للأبد، لكنها غيرت من المعطيات السياسية التي كانت مستندة إلى صراع حقيقي وقائم، وإلى حقوق واضحة، وأصبح الشرق الأوسط يقف أمام "جغرافية" رمادية تحمل إمكانية التوتر الدائم دون القدرة على تحديد أهداف بالنسبة للنظام العربي على الأقل.