السؤال حول قرب السلام أو بعده، أو حتى عن الظروف التي يمكن أن تحققه تبدو خارج التكوين العام للشرق الأوسط، فالرئيس السوري من أمريكا اللاتينية تحدث أكثر من مرة عن مسألة السلام، وهو شأن مقلق بالنسبة للمنطقة ككل في ظل مسار للسياسة الدولية يعكس حالة من الإرباك تجاه التعامل مع "الحرب" وليس مع السلام، فهناك محاولات للحد من مخاطر الحرب تعد بذاتها مسار حرج يقود لمزيد من التوتر، ويبدو أن إستراتيجية "رسم خرائط جديدة" للشرق الأوسط تبقى هي الخيار الأكثر قبولا بكل ما يحمله هذا الخيار من احتمالات تفجير. القلق بشأن السلام منطقي لأبعد الحدود، فهناك مسار أمريكي يتعامل مع التسوية بحدود التفاصيل المتعلقة بما تريده السلطة الفلسطينية ورغبات "الحكومة الإسرائيلية"، بينما يغيب البعد الاستراتيجي العام لعملية الصراع، وربما على العكس فهناك تكريس لمحاور ومحاصرة للسياسات الإقليمية، وهناك أيضا "خرائط جديدة" تشكل بؤر توتر مرتبطة بالمحرك الأساسي للحروب، وإذا كان السلام "خطاب سياسي" معلن داخل الإدارة الأمريكية وحتى في "إسرائيل"، فإن مسألة الحرب هي فعل واقع يدخل في أولويات الحفاظ على التوازنات القلقة في المنطقة. ربما علينا أن نراجع نوعية السياسة الدولية المتبعة منذ نهاية الحرب الباردة، لأنها تحمل مؤشرين أساسيين: الأول كان في "خارطة السلام" التي بدت منذ مؤتمر مدريد وكأنها إستراتيجية دولية، لكنها في نفس الوقت كسرت أي احتمالات لحيوية السياسة، وحدت من وسائلها بعد أن كرستها وفق خطوط إقليمية تصب في النهاية داخل "إسرائيل"، رغم أن الصراع ليس بعيدا عن كل احتمالات الشرق الأوسط وعن توازناتها الحساسة، وإذا كان صحيحا أن "إسرائيل" هي "جوهر الأزمة" لكنها في نفس الوقت ليست مشكلة معزولة، وهي مرتبطة بالعلاقات الإقليمية وحتى في الحراك السياسي الداخلي. المؤشر الثاني هو الحد من السيادة الوطنية وعلى الأخص بعد مؤتمر مدريد، فقياس هذه السيادة كان مرتبطا بالشروط الدولية "للحراك الإسرائيلي"، وبهذه الصورة لم يعد هناك إمكانيات حقيقية للعلاقات الإقليمية بمعزل عن هذا الأمر، ولا حتى لبنية داخلية قادرة على التعامل مع مشاكلها بمعزل عن الاعتبارات الدولية. قلق السلام مبرر في ظل اعتبارات دولية مؤسسة للحرب، وحتى في ظل محاولات كبح هذه الحرب فإنها ليست احتمالا بقدر كونها نتيجة واضحة لحراك اتجه نحو خلق تسوية على حساب "السياسات الإقليمية".