التقارير لا تدعو للتفاؤل رغم أن زيارة العاهل السعودي لدمشق ثم بيروت، ومسألة القمة الثلاثية السورية - السعودية - اللبنانية هي أمور تشكل حراكا غير مسبوق منذ قمة الكويت الاقتصادية وانطلاقة ما سمي بـ"بدء المصالحة العربية". لكن الموضوع يبدو أكثر تشابكا لأنه ينطلق من "توقيت الأزمات" التي يبدو أنها وصلت إلى نقطة اختبار لكافة العناوين التي أطلقتها قمة الكويت وظهرت بعض نتائجها في تبريد الجبهة الداخلية العربية، فالعاهل السعودي يحمل معه "حزمة سياسية" مترابطة ما بين "التسوية و "المحكمة الدولية"، ورغم أن الإصرار من قبل بعض الجهات اللبنانية على أن الرؤساء لن يتدخلوا في موضوع "المحكمة"، لكن التمهيد "الإعلامي" الذي سبق زيارة العاهل السعودي لا يوحي بأن "المحكمة الدولية" بشأن اغتيال الحريري يمكن أن تكون بعيدة عن المباحثات القادمة. عمليا فإن "الاحتمالات" الحالية ليست مفتوحة، لأنها لا تحوي خيارات متعددة، والتقارير التي صدرت بعد قمة مبارك - عبد الله في شرم الشيخ أمس وتحدثت عن "إسكات سورية"، لا تدفع نحو بدائل حقيقية في مسألة المصالحة العربية من جهة، أو "الاستقرار" في المنطقة من جهة ثانية، فهناك مؤشرات للتحرك السعودي أو حتى لمسألة "الدور المصري" الذي يتلخص اليوم بخلق "توازن بالأزمات". المؤشر الأول مرتبط بـ"الحزمة السياسية" التي تحملها الرياض إلى دول المنطقة مع نفاذ الوقت بشأن "المفاوضات غير المباشرة"، وبالطبع فإن الرهان على "التسوية" لا يملك سوى "معطيات" أميركية، بينما لا تبدو الأطراف قادرة على التفاوض مع وجود الشرط الإسرائيلي في الاستيطان، فالرياض تعود إلى الدور التقليدي الذي يعبر فقط عن "استيعاب سياسي" بـ"ضمانات أمريكية"، وهو حل نمطي لم يعد يتناسب مع الظرف الإقليمي، وربما لا يستطيع إرضاء الأطراف لكنه في نفس الوقت قادر على الإخلال بالتوازن لأنه يحاول اختراق كل الأطراف بدون إستراتيجية واضحة تضمن هذا الاختراق. في المقابل فإن الرهانات السياسية، وهي المؤشر الثاني، ماتزال قائمة على نفس المعادلة التي تم التوصل إليها في اتفاق الدوحة 2008، وقدمت جولة سمير جعجع لبعض الدول العربية ومن بينها مصر، ثم تصريحاته الأخيرة أن هناك أوراق يتم التلويح بها بنفس الطريقة التي حدثت منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وبمعنى آخر فإن الافتراق الاستراتيجي بشأن لبنان مازال قائما رغم كل الجهود في مسألة المصالحة، ورغم الحديث أيضا عن "الطائف" التي تقول التقارير أن العاهل السعودي يحملها معه ضمن "الحزمة السياسية" التي ينقلها للمنطقة. بالنسبة لسورية ورغم عدم وجود تصريحات رسمية فإن مسألة المقاومة أصبحت جزء من الردع الإقليمي، فالمؤشر الثالث ينطلق عمليا من الحراك السياسي لدمشق، فالمرونة التي أبدتها منذ قمة الكويت لا توحي بأن التسوية تبدأ من كسر الردع الإقليمي، بل ربما على العكس حيث يشكل هذا الردع الغطاء الأساسي لنجاح أي تسوية، فدمشق لم تعلق رسميا على مسألة "القرار الظني" لكنها في المقابل لم تخف قلقها الدائم من "السياسة الإسرائيلية"، وهي كانت طوال الفترة الماضية مجالا لتقارير وحتى تصريحات حول علاقتها بحزب الله، فالرؤية الإستراتيجية بشأن المقاومة لم تتحول وفق المعطيات الحالية، فالردع الإقليمي مازال البند الأول في الحراك السياسي السوري. بالتأكيد فإن القمة المتوقعة يوم غد في بيروت تشكل مجالا سياسيا جديدا هاما، لكن في المقابل لن تحمل "صفقة" سياسية بل استيعاب سياسي لتصعيد إعلامي، وربما محاولة متجددة في الأدوار الإقليمية ولكن دون الوصول إلى اختراق حقيقي في مسألة التسوية.