فيها الكثير من المصطلحات التي شكلت "تراثا" نعيشه اليوم، فـ"النكسة" كانت أكثر من ظهور الجيوش أو انتهاء بعض المفاهيم التي اعتقد البعض أنها تمثل أفق المستقبل، ويبدو أن الموضوع الاحتفالي يمكن أن ينسحب أحيانا حتى على "الحزن"، لكنني معنية بمشهد آخر لأن مسألة "الكآبة" من تاريخ خاص لا تشكل قاعدة أو هي بحكم الحياة تزول بشكل سريع. مشكلة الخامس من حزيران هي في صورته السياسية النمطية، فبعده لم يعد ممكنا الخروج من إطار البحث بعيدا عن رؤية "إسرائيل" وكأنها قدر معلق، وربما بعكس أي حرب بدأت "النكسة" في سياق التفكير وليس في أرض المعركة أو أروقة السياسة، فهناك ظلال لا يمكن إبعادها عن الوجه رغم الحروب اللاحقة، أو التكوين السياسي الذي يبدو اليوم مختلفا، فالخطوة الأولى كانت في كسر القناعات الأساسية بشأن "إسرائيل"، وهي أيضا في البحث عن بدائل تاريخية يمكن عبرها "قبول إسرائيل"، والأهم هو أننا تبنينا الهزيمة وشكلنا لها "نظاما اجتماعيا" ظهر في النهاية في أشكال "التخلي" الاجتماعي عن "فكرة الوجود" والبحث في حدود أخرى داخل الذات الفردية أحيانا أو في التاريخ أو حتى الدين عن تعويض يمنحنا التفوق في "الغيب" أو "الجنة". من الصعب اليوم البحث عن الحماس القديم، أو تكوين حماس بديل طالما أننا كونا رؤية مختلفة لا تتمركز على وجودنا بل على الجغرافية الجديدة التي كشفتها أوراق النكسة، وتم نشرها لاحقا بعد حرب 1973، فأصبح طريق التحرير يمر فوق آبار النفط التي لم نكن ندري أنها ستصبح "الرمز" البديل، وهناك أجيال انتظرت ثلاث عقود حتى تشاهد بوادر "رموز" جديدة، ففي حزيران "انشق" الطريق ليصبح نوعا من المستحيل، وانتقلت القدس إلى خارج خارطة العالم القديم، وربما تلوثت برائحة النفط، أما "غزة" فلها حديث آخر لأنها كانت المساحة المنسية من ذاكرة النكسة، لكنها ظهرت في صعوبة التعبير عما تطرحه من احتمالات. النكسة في النهاية تبدأ وتنتهي بنا.... وهي في الصور القادمة اليوم تنقلنا لإمكانية الهروب من نمطيتها أو حتى نسفها من جديد لننظر نحو المستقبل، فما قبل الخامس من حزيران لا يمكن أن يعود وما بعده هو الاحتمال الوحيد أمامنا.