اليوم بدأت... ففي مقطع صغير أو جملة او حتى مقالة نعود بك إلى "تاريخ المعرفة" وإلى الخيار الذي كان حاضرا حتى في لحظات "التهديد والوعيد"، والتشكيك بالمعتقد أمام العجز عن التفكير، ففي لحظات القلق يبدأ مشوار الإنسانية وربما يبدأ نصر حامد أبو زيد رحلته إلى داخلنا فيعبر تلك التفاصيل التي كانت دائما بوابة مغلقة لا يمكن أن نفتحها لأنها "فتنة" و "الفتنة أشد من القتل". سنحترم التراث لأنه قابل للتفكيك والحفر المعرفي، وسيتملكنا الشوق لقراءة الشافعي والغزالي من جديد، لأننا سنفهم تاريخية المعرفة بدلا من الأحكام المطلقة للمرجعيات التراثية، وسيصبح نصر حامد أبو زيد بداية مختلفة لزمن تصبح فيه "الأشكال" رمزا والكتب المقدسة عباءة لمجتمع تهرب السنوات منه ويبقى عالقا على جغرافية واحدة. ربما علي أن أتذكر المعتزلة وابن عربي عند كل لحظة يلوح فيها طيف التفكير الذي تعرفت عليه في (إشكاليات القراءة وآليات التأويل) لأن نصر حامد أبو زيد قدم لي طريقة في عشق التراث... التراث الذي يبقى تراثا وليس منارة علي أن أعيشها في كل لحظة، فعندما أعرف أن الزمان والمكان والتاريخ، وأن الألسنيات والمعرفة النقدية هي التي يمكن أن تجعلني أعشق التراث من جديد، فإنني أدرك أنني بالفعل تحررت منه رغم أنه باق كجزء مني، لكنني لست مضطرة لأن أستحضره في آليات حياتي، وليس علي تكراره وكأنه القدر المحتوم. وعلي أيضا أن أتعرف من جديد على "تضاريس" مختلفة كانت تنساب بشكل سريع لتنهي مسألة "الاضطهاد" الفكري، وتجعلنا نمضي من مساحة إلى أخرى دون قلق من "الظلال" فهي وهم بدده أبو زيد بحياته وربما بالطريقة "التراجيدية" لرحيله، فتلك الظلال التي تطل علينا في كل مناسبة وكأنه قدر محتوم تصبح "كوميديا" تضحكنا لأنها ترتسم بملامح ذلك التراث الذي لا يمكن أن نعيشه من جديد. اليوم فقط علي الاعتراف بأنني "عشقت" تلك الرموز التي يستخدمها أصحاب "العمائم" وكأنها سيف مسلط على الرقاب، فهي أصبحت "نسيما" يلامسنا فتنفتح معرفة جديدة على المستقبل بدلا من السقوط في مساحات "التأويل" القديم أو المعرفة السابقة، فالتراث كان بوابة، وكان أيضا ذلك الماضي الذي يستهوي البعض، لكنه ماض معرفي... وزمن من البحث والاستقراء وهو تفكير أيضا لم يكن يخاف من التكفير، ويملك امتداد حتى اللحظة لكنه يبقى "امتداد" علينا قراءته وليس التغني به وكأنه الفردوس الذي فقدناه. لماذا نصر حامد أبو زيد؟ لأنه يملك الجرأة ويستطيع "الاختيار" رغم أن حقل البحث الذي يريد نبشه هو التراث... ولماذا تبقى الخيارات رمزا لأنها في النهاية تجعل المستقبل ممكنا وتجعل الحزن على رحيل حامد أبو زيد تعبيرا صعبا إن لم يكن مستحيلا.