اللافت أن صحيفة معاريف قدمت أمس كشفا عاما لما سيحدث بعد صدور القرار الظني، وطال تقريرها سورية وذلك في عودة إلى المربع الأول الذي انطلقت منه "الاتهامات" باغتيال الحريري، فالمنطق العام للمحكمة لم يتغير وربما لم يتحول أي شيء بالنسبة لرؤية المنطقة أو حتى لاحتمالات المستقبل فيها. عمليا فإن مسألة تسييس المحكمة يبقى كلام قديم وربما معروف، ونوعية الجريمة السياسية التي ظهرت على مسرح الحدث اللبناني لا يمكن اعتبارها شأنا مستقلا، فعملية ضرب الاستقرار في لبنان لم تكن يوما غاية في ذاتها، فهناك بوابة واسعة للشرق الأوسط يمكن التحكم بها عبر المعادلة اللبنانية، وتقرير "معاريف" أمس يقدم "تشويشا" حتى في طبيعة الرؤية الأمريكية لعملية التحكم، فبغض النظر عن صدقية هذا التقرير لكنه على الأقل يقدم اتجاه التفكير العام بمسألة المحكمة ليس من زاوية "محاصرة الأزمة" بل اعتبار أن التوتر أو الصدام أمر لا بد منه، وأن الرهان على التصعيد الداخلي يشكل بنية أساسية في التعامل ليس فقط مع "الدولة اللبنانية" بل مع باقي دول المنطقة. وفي المشهد العام يبدو تتالي الأحداث منذ بداية الألفية هو رهان على هشاشة البنية السياسية في الشرق الأوسط، فالتكتيك المتبع بعد احتلال العراق هو إحداث تغيرات على أكثر من جبهة يمكن ان تؤدي إلى تحول في الشرق الأوسط، وهذا الأمر ينقل لنا مؤشرين:
- الأول عدم قدرة الطرق الكلاسيكية، سواء كانت حروب مباشرة مع "إسرائيل" أو مبادرات تسوية كبيرة، على إحداث التحول المطلوب، في المقابل استطاع حدث مثل اغتيال الحريري خلق منفذ لتحولات على مجمل الساحة العربية وحتى في بنية النظام العربي.
- الثاني عدم وجود خط واحد للتعامل مع "الصراع العربي - الإسرائيلي"، فهذا الأمر يملك انعطافات سريعة تعود إلى نقطة البدء وإلى الصدام مع الاحتلال الإسرائيلي، بهذا الشكل يمكن أن تستعيد الإستراتيجية الأمريكية قدرة متجددة عبر افتراض تكوينات متصارعة خارج إطار هذا الصراع مثل "الهلال الشيعي" في مجابهة "الهلال السني"، وداخل تفاصيل "الهلالين" لا يوجد منطق خاص لعملية الصراع، فهناك صدام مباشر مع كليهما إن صح التعبير. هل نحن أمام فصل جديد من الصراع؟ لا توجد أي مؤشرات جديدة على تحولات نوعية، فالأكيد أن هناك دورة عنف يُراد لها ان تنطلق وتزيح معها العوامل الإضافية التي ظهرت وعلى الأخص "العامل التركي"، إضافة إلى إعادة رسم "الدور السوري" وفق مصطلحات تحاول الهروب من مسألة "تغيير السلوك"، إلى الضغط على السلوك لجعله ينحرف مضطرا إلى مواقع جديدة. بعد القرار الظني سيبقى الرهان على الداخل اللبناني وربما السوري والأردني والفلسطيني و.... لوضع التوتر كشأن لا بد منه.