المعادلة بذاتها لا تعكس فقط قدرة طرفين على خلق التوافق اللبناني، فعندما نتحدث عن علاقات الرياض بدمشق فربما علينا التعامل مع توازن استراتيجي يدخل فيه العامل اللبناني، فهو ينطلق أساسا من حسابات متعددة، فالعلاقات بين البلدين التي يصفها البعض أنها تسير بشكل "مطرد" لا يمكن النظر إليها من خلال التصريحات الإعلامية فقط، فهناك عمق آخر مرتبط بالتماس المباشر ما بين السياسات الدولية وأزمات الشرق الأوسط.

بالنسبة للرياض فإنها أعادت رسم "موضعها" داخل الشرق الأوسط بعد احتلال العراق، وهذا الأمر تم بناؤه وفق اعتبارين:

- الأول هو عدم السماح باستخدام أراضيها خلال عملية الاحتلال، محاولة أن لا يقدم هذا الإجراء أي مؤشرات على تناقض بينها وبين واشنطن، وهذا الأمر انتقده رالف بيترز المقدم الأمريكي المتقاعد وصاحب نظرية حدود الدم الذي أعاد عبرها تقسيم الشرق الأوسط من جديد ونشرت خرائطه مجلة وزارة الدفاع الأمريكية، فالاعتبار الأساسي للرياض كان مسألة الأمن الداخلي فهي لا تملك فقط حدودا عريضة مع العراق لكنها أيضا تملك تجربة سابقة عندما كانت القوات الأمريكية متمركزة في أراضيها خلال عاصفة الصحراء وبعدها.

- الثاني أن الشرق الأوسط لم تعد يحكمه توافق عربي فقط حيث ترى الرياض أن العامل الإيراني بات ضاغطا، وهو يشكل بالنسبة له مسألة حساسة وعلى الأخص بالنسبة للخليج وأمنه، وهو ما جعل إستراتيجيتها تتعامل شكل واضح مع نوعية المخاطر التي كانت تطرحها واشنطن بشأن إيران، فبالنسبة لها سيشكل لبنان نقطة مرتبطة أيضا بهواجس أمنية مختلفة حتى ولو كانت من قبيل "الافتراض"، فهي لا تستطيع إهمال "القلق الأمريكي" تجاه إيران لأنه مرتبط أساسا أمنها الاقتصادي، وأي إجراء عسكري أو حتى سياسي تجاه طهران سينعكس عليها عر الخليج.

هذا "التموضع" السعودي أعاد رسم حساباتها في لبنان، بحيث لم تعد تستطيع ممارسة نفس الدور السابق في لبنان، فهناك عوامل ضاغطة عليها تجعلها تترك عددا من الأوراق مكشوفة باتجاه الإدارة الأمريكية بالدرجة الأولى.

أما دمشق فإنها أيضا موجود بشكل مختلف، فرغم أن قواتها انسحبت من لبنان لكن "الموضوع الاستراتيجي" الأساسي بات مرتبطا بنوعية التوازن الذي سينشأ في هذا البلد، فهي لم تختر فقط نوعية "الإزعاج" الذي يمكن أن تسببه التدخلات في لبنان بل أيضا تعامل مباشرة مع تجربة أخرى مرتبطة بأمنها الاستراتيجي من خلال "المقاومة" التي دخلت كعامل قادر ليس فقط على كبح القوة الإسرائيلية بل وأيضا على تعزيز الأدوار الإقليمية وتحقيق "توازن" طالما سعت دمشق إلى تحقيقه.

الوضعين السابقين لسورية والسعودية تجعل معادلة س - س مختلطة ما بين قدرة الدولتين على التأثير داخل القوى اللبنانية والحسابات الإستراتيجية لكل منهما، وهو أمر جعل من الدولتين تتعاملان واقعية مع ما يحدث، ومن جهة أخرى فخارج العلاقة بينهما هناك توازنات مختلفة تسعى كل دولة للتعامل معها على حده. معادلة س - س لم تعد معجزة طالما أن الخيارات اللبنانية لم تعد محصورة ضمن الدولتين، فعملية "التدويل" بذاتها عبرت تراجع لبناني لمرحلة سابقة عندما كانت مصالح "الفئات" تسعى للارتباط مباشرة بقوى دولية بدلا من التعامل إقليميا لمعالجة الأزمات.