يبدو المشهد السوري يتحرك على النقطة نفسها، فالمسألة لم تعد مجرد حراك سياسي يمكن ان تطلقه المؤتمرات، أو حتى "حل أمني" يستطيع أن يضع حدود قديمة او جديدة لأي حراك اجتماعي، فتجربه الأسبوعين الماضيين قدمت بعض المؤشرات أن "الأزمة السياسية" لا تراوح مكانها فحسب، بل هي تخلق أزمات فرعية مرتبطة بكافة الأطراف، ومن الصعب رسم خارطة دقيقة لتوزع الحراك السياسي الذي على ما يبدو يكتفي حتى اللحظة بتوزيع المواقف، أو بوضع شروط للحوار أو حتى بطرح إجراءات إسعافية تبدو أقرب إلى الموقف السياسي منها إلى خطوات يمكن تنفيذها واقعيا بشكل سريع.

عمليا فإن تلاحق المؤتمرات يشكل ظاهرة جديدة من جهة ويمكن أن تشكل خطوة في مساحة العمل السياسي، ولكن السؤال إلى أي حد يمكن أن تسير مثل هذه المؤتمرات نحو "تأزيم" الوضع بدلا من المساهمة في حله؟ وطرح هذا السؤال يأتي على مساحة من غياب التنظيمات او حتى إصرار المؤتمرين على أنهم يعملون بشكل مستقل، وهو يعني أمرين على الأقل:

- عدم طرح برامج سياسية والانتقال مباشرة باتجاه "الإجراءات"، بحيث يبدو الحل السياسي وكأنه مجموعة من الاحتمالات المفتوحة.
- عدم تحمل مسؤولية أي حل محتمل في ضوء الأزمة السياسية الحالية، فصيغة المؤتمرات تأتي وكأنها تقديم للنصح دون الانخراط بالعملية السياسة برمتها. على المستوى الواقعي فإن المؤتمرات شكلت مسار ربما شجع البعض على البدء بحوارات أو مناقشات، وهو شأن ضروري لتفعيل العمل السياسي عموما، لكننا في نفس الوقت لا نستطيع وضع هذه المسألة على فضاء مفتوح، لأن القضية التي نعالجها اليوم هي أزمة محددة وواضحة المعالم، وهي تحتاج لعمل مؤسساتي أكثر من كونها مناسبة لطرح المواقف السياسية.

هل ننتظر ظهور التشكيلات السياسية أو حتى المدنية؟ من الصعب اليوم حسم موقف الحراك السياسي الذي يبدو أنه يواجه "صدمة البداية" وذلك بعد عقود من تكوين سياسي مختلف تماما عما نشهده اليوم، لكن هذه الصدمة لا تعفينا من دراسة وقراءة نوعية المستقبل السوري، ومحاولة رسم البرامج السياسية للمرحلة المقبلة، لأن مسألة طرح المواقف دون البرامج تزيد من الاستقطاب الحاصل داخل القوى الاجتماعية، وتكسر شروط الحوار.

المرحلة السياسية التي نعيشها اليوم لا تقوم فقط على تحديد المطلب الذي تم إطلاقه منذ بداية الحدث السورية، فمسألة الحرية لا يختلف عليها اثنين لكننا لا نستطيع التعبير عنها إلا وفق آليات واضحة تضمن الحقوق والواجبات، وهنا يبدأ البحث عن مساحة الحرية التي نريدها بغض النظر عن الماضي، فالبرنامج السياسي هو الذي يحدد الإطار الذي يمكن أن تتحقق فيه هذه الحرية لتشكل سورية المستقبل.