كانت المخاوف بشأن مستقبل الوضع في لبنان تتركز على سؤال محوري هو الآتي: هل يتحول لبنان ـ من جديد ـ إلى ساحة مفتوحة لتفجر الصراعات ذات جنسيات متعددة والأطراف المختلفة وتصفية حسابات منها اللبناني المحلي ومنها الإقليمي ومنها الدولي؟

وإذا بهذه المخاوف تترجم فعلياً على الأرض عبر مسلسل الاغتيالات من الرئيس رفيق الحريري إلى جورج حاوي ومروراً بالزميل سمير قصير. وبذا أصبح لبنان وطن: من هو التالي المستهدف على لائحة الاغتيالات هذه؟!

كل كتابة تحليلية عما يجري في لبنان والمنطقة هي محاولة لفهم واستيعاب ما الذي يحدث. ونقول محاولة لأن ما من أحد حتى الآن يملك المعطيات الموضوعية الصحيحة، أو صورة شاملة عن المشهدية اللبنانية.

وضمن هذه المحاولات التساؤل الآتي: كيف يمكن حسم الأمور ووفق دوران الوضع اللبناني الدامي في تلك الحلقة المفرغة والقاتلة حتى الموت، إذا كان «المدعي» يوجه الاتهامات المباشرة إلى طرف معين بأنه هو القاتل تخطيطاً أو تنفيذاً، لكن من دون الكشف عن أدلة ثبوتية لدعم هذا الطرح.

وفي المقابل ليس أمام الطرف الآخر «المتهم» ما يدفع عنه هذه التهمة ويثبت براءته بأدلة وقرائن حسية وواضحة.

لعل في هذا التساؤل ما يوجز الحالة القائمة بين لبنان وسورية في خضم هذه الحملة البربرية من الاغتيالات لرموز بارزة في المجال السياسي، أو الإعلامي، أو الفكري الأيديولوجي.

فحتى الآن كل ما وُجه من اتهامات إلى سورية بأنها هي التي تقف وراء هذا الاغتيال أو ذاك هي من النوع السياسي وليس فيها أي دليل جنائي يقطع الشك باليقين.

على أن الأمر المؤكد من خلال عمليات الاغتيال أن الفريق الذي يقف خلفها على حرفية عالية في هذا “الاختصاص” من الإجرام، وأن هذا الفريق سواءً بصيغة المفرد أو الجمع يتحدى العالم بأسره وليس آبهاً بعقاب ولا من يعاقبون. وهنالك ما يشبه مطاردة الأشباح بين الفريق الدولي المكلف بالتأكد من انسحاب سورية وفلول النظام السوري الذي يُقال أنهم يتواجدون في لبنان. فعندما تغيب لجنة التحقيق «يظهر» الحضور السوري، وعندما تعود للتأكد مجدداً تتوارى هذه الرموز كالأشباح.

وحتى مجلس الأمن الدولي أصبح كسائر المؤسسات اللبنانية المحلية من أمنية وغير ذلك من حيث استنكار ما يجري وتوجيه العزاء بضحايا هذه الاغتيالات والتعبير عن الأسف لما حدث. دون أن ينسى العبارة الملازمة لكل البيانات الدولية بضرورة معاقبة الفاعلين وأن تقتص من هؤلاء العدالة... الخ.

ومنذ فترة غير قصيرة عمدت المصارد الغربية وخاصة الأميركية منها والفرنسية إلى التحذير من وجود «لوائح اغتيال» يجري التحضير لها وهي تستهدف شخصيات سياسية وفكرية وإعلامية.

والمؤسف أن هذه المعلومات أتضح بأنها صحيحة.

ولكن عندما يتطوع السفير الأميركي جيفري فيلتمان بتوجيه النصائح إلى بعض السياسيين اللبنانيين بضرورة توخي الحذر والحيطة من أعداء يتربصون بهم، وبدلاً من تقديم العزاء فحسب بالضحايا والشهداء الذين يتساقطون حبذا لو زود السفير الأميركي السلطات اللبنانية المختصة بمعلومات أكثر دقة وتحديداً من شأنها ـ ربما ـ أن تساعد على ضبط مخطط هذه التفجيرات قبل حدوثها وليس بعد حدوثها.

والأمر اليقيني الآخر والمؤكد هو أن لبنان بات بلد مكشوفاً أمنياً وسياسياً وهذا ما يردده من هم حالياً في السلطة وهم أنفسهم الذين أخذوا على حكومات سابقة التقصير وتوجيه اللوم لعدم التمكن من منع وقوع حادث اغتيال هذا أو ذاك. بالمناسبة يجب تغيير مفردات المرحلة فالمعارضة السابقة في طريقها إلى السلطة، وهنالك معارضة أخرى بدأت بالظهور.

ولأن لبنان بات ذلك الوطن المكشوف أمنياً فهذا يعني عدم تمكن الأجهزة الأمنية القائمة من القيام بالدور المطلوب منها في العادة من مثل هذه الأجهزة أي جمع المعلومات عن الاغتيالات قبل حدوثها أو منع حدوثها وليس المضي في سياسة: تم القبض على القتيل وفر القاتل إلى جهة مجهولة!

ولأمر الذي لم يعد خافياً هو أن الأمن في لبنان تم تدويله، فعندما تقع جريمة اغتيال يسارع فريق من مكتب التحقيقات الفيديرالي الـ “اف بي آي” إلى مكان الحادث وغالباً يصل قبل المسؤولين اللبنانيين المعنيين. وهذا يستتبع القول بأن من يقف وراء هذا المخطط الجهنمي يواجه جهاز الأمن الأميركي بالإضافة إلى سائر الأجهزة الأخرى أو ما تيسر منها.

وبالنسبة لتداعيات الوضع اللبناني القائم وخلال الساعات القليلة الماضية صدر العديد من التصريحات من أبرزها لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ووزير الخارجية الفرنسية والتي اعتبرت أعنف لهجة تصعيدية ضد سورية. واحتل الوضع في لبنان حيزاً رئيساً من مداولات وزراء خارجية الدول الثماني الكبرى التي التقت الخميس والجمعة في لندن. تحضيراً للقمة التي ستعقد في اسكوتلندا السابع من تموز “يوليو.”

ومما قاله الوزير الفرنسي... لقد انسحبت القوات السورية من لبنان لكن لا يزال هناك «وجود رمزي» سوري على الأراضي اللبنانية يعمل على ضرب الاستقرار.

فإذا كان هذا «الوجود الرمزي» بقادر على ارتكاب ما يرتكب فكيف يكون الوجود الأكثر من الرمزي؟

كذلك صعدت وزيرة الخارجية الأميركية من لهجتها التحذيرية إلى سورية في اتجاه: لبنان والعراق.

وبلغ من حدة المجابهة الديبلوماسية ضمن المنازلة القائمة بين واشنطن ودمشق أن الوزيرة رايس تجاهلت كلياً وعن عمد مصافحة وزير خارجية سورية فاروق الشرع خلال الاجتماعات التي عقدت في بروكسيل، وهذا التجاهل يؤشر بلوغ الأزمة في العلاقات الأميركية ـ السورية مرحلة أكثر حراجة من أي وقت مضى.

ولكن يبقى السؤال: ماذا باستطاعة واشنطن وباريس والمجتمع الدولي الذي اتخذ القرار 1559 أن يقدم على خطوات فعلية لحماية لبنان من المزيد من شلالات الدم؟

وليس على طريقة «قلنا لكم»، بل بكل بساطة على طريقة إنعاش الذاكرة لأنفسنا أولاً قبل الآخرين خاصة في هذه الفترة البالغة الحرجة، كتبنا في “الحياة” «بعض الكلام المباح عن الوطن المستباح» “الحياة 15 أيار/مايو 2005” محذرين من المخاطر التي تنتظر لبنان ولأننا أمة لا تقرأ كما نتهم... وإذا ما قرأت لا تستوعب كثيراً ولا تعقب ولا نتابع، لذا نلاحظ أن الأحداث تداهمنا وتأخذنا الدهشة والذهول.

أما طريقة التعاطي داخل لبنان بين مختلف الأطراف مع ما يجري فهنالك الكلام الهادئ والموضوعي والواضح الذي يجب أن يُقال.

ما يلاحظ عند وقوع أي حادث أمني تكون الاتهامات جاهزة لدى البعض من الذين يحرصون على استباق كل أنواع التحقيق في الجريمة. ويقفز هذا الفريق فوق كل الاعتبارات القضائية لعرض استنتاجات وخلاصات وتعميمها وهي من النوع الذي يصعب التأكد من صدقيته كما لا يمكن نفيه واستبعاده في نفس الوقت.

وعند وقوع كل حادث اغتيال يصبح الجميع من الذين يمارسون صفة المدعى العام أو قاضي التحقيق، فإذا بهذه «المطالعات» ترتدي الطابع السياسي والشخصي.

وعندما يشتبك الوطن في الداخل على شاكلة ما يجري في لبنان يكتشف الجميع غياب المرجعية التي يجب عليها أو يمكن لها أن تحسم الأمور. وعندما يصبح الشعار: من هو التالي على لائحة الاغتيالات هذا يعني بكل وضوح أن الوطن مفخخ ومزروع بالعديد والكثير من الألغام. وعندما يبلغ الوطن مرحلة تشكيك أفرقاء سياسيين بدور رئيس الجمهورية والطعن بكل أنواع أجهزة الأمن فيه ورفض احترام أحكام القضاء فهذا يعني أن البلد هو برسم “الانتداب” أو “التدويل” لأنه فشل في حكم نفسه بنفسه.

وحيال ما ينتظر لبنان من تطورات لا توحي بالثقة أو الاطمئنان يجب التركيز على هذا الأمر واعتباره أولوية مطلقة.

وكنا ولا نزال نؤمن أن التحليل السياسي لا يجب أن يقتصر على التنظير وعلى الاكتفاء بالآراء المزاجية أو الشخصية بل يجب تعزيز مثل هذا التحليل بالقدر المتاح من المعلومات.

وإننا نسوق في هذا المجال معلومات هي على غاية من الأهمية وتتصل بالمستقبل القريب الآتي عن الوطن.

ونحن هنا نتحدث عن خطة أميركية ـ إسرائيلية أُعدت منذ فترة غير بعيدة وتحمل العنوان التالي: «الخطة الأميركية ـ الإسرائيلية: ضرب سورية وتصفية حزب الله».

ونقرأ ما حرفيته: «إن هذه الخطة هي جزء من المخطط الشامل الذي ورد في مذكرات الأمن القومي الأميركي للعام الحالي والتي تقول أن الشرق الأوسط الجديد سيتم تشييده على أفكار ومبادئ جديدة بعد الانتهاء من ثلاثة أنظمة من بينها سورية».

تضيف: «أن المرحلة الثانية من خطة العمل ضد سورية فهي لا تستهدف فقط القيادات الإرهابية بل تشمل أيضاً القيادة السورية وإنهاء فترة حكم الرئيس بشار الأسد وأن العمل يجري بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي على جمع الوثائق اللازمة لإدانته مباشرة في بعض العمليات الإرهابية الكبرى. وترى إسرائيل ضرورة تعاونها مع الولايات المتحدة من أجل تقديم الرئيس السوري للمحاكمة الدولية باعتباره أحد الرموز الأساسية في قيادة العمل الإرهابي كذا...».

وورد في المذكرة الأميركية ـ الإسرائيلية: «... أن القضاء على هذا الرمز الإرهابي “المقصود الرئيس بشار الأسد” سيمثل انتصاراً كبيراً لمعنى الديموقراطية والاستقرار في الشرق الأوسط كما أنه سيؤمن إلى حد كبير الوجود الأميركي في العراق».

يضيف: «ان البنتاغون لديه ما يؤكد أن سورية لم تبد القدر الكافي من التعاون في دحر الإرهاب من أراضيها وأن السوريين يشجعون ويدعمون الجماعات الإرهابية. ثم أن الحكم السوري يتشابه إلى حد كبير مع النظام العراقي السابق. إلا أن الأوضاع في سورية لن تكون بذات التعقيد القائم في العراق، وأن إسرائيل قد تلعب دوراً في إعادة تهيئة سورية للاندماج في منطقة جديدة».

ثم تتحول الخطة الأميركية ـ الإسرائيلية للتركيز على كيفية توجيه ضربات إلى حزب الله وقد ورد ما حرفيته: »... في رأي وزارة الدفاع الأميركية أن حزب الله يتشابه في تركيبته وقياداته وتشكيلاته العسكرية مع جيش المهدي وأنه يقوم على أساس عقائدي ديني متطرف وأن قواسمه المشتركة مع جيش المهدي تقوم على أساس الفكر الديني المتطرف في إيران، وأن الأخيرة تعتبر المليشيات في لبنان «حزب الله» والمليشيات في العراق “جيش المهدي” وسائل أساسية من أجل السيطرة والتدخل في الشؤون الداخلية في الدول العربية». ونتابع:»تعتبر واشنطن أن “حزب الله” يعد من المنظمات الإرهابية الأكثر خطراً في هذه المنطقة لأن قواعده السياسية والعسكرية استقرت لفترة طويلة بدعوى محاربة إسرائيل في الأراضي اللبنانية وهو ما جعل غالبية الدول والشعوب العربية تصنف هذه المنظمة على أنها حركة تحرير وطني في لبنان» ومما يضفي مظلة شرعية لهذه المنظمة هو موافقة الحكومة اللبنانية على أنشطتها والتأكيد على أنها تعمل لصالح لبنان».

وتشير وزارة الدفاع الأميركية «إلى أن اختفاء حزب الله عن ساحة الشرق الأوسط سيكون له دور كبير في تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة وأنه لا سبيل أمام تحقيق ذلك سوى توجيه ضربة عسكرية قوية ومؤثرة إلى القواعد العسكرية لحزب الله واعتقال رموزه البارزة وعناصره المختلفة باعتبار أنهم مشاركون أساسيون في الأنشطة الإرهابية الدولية وتجب محاكمتهم دولياً».

وفي مجال ربط تسلسل الأحداث ببعضها البعض تشير الخطة إلى أنه إذا لم يتم الاستجابة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 من جانب الحكومة اللبنانية وسائر الأطراف المعنية في الشرق الأوسط فإن «قراراً لاحقاً يجب أن ينص على اللجؤ إلى القوة العسكرية المباشرة لإنهاء وجود هذه المنظمة الإرهابية الكبرى خاصة وأن حزب الله مازال يقوم بأنشطة سرية وخطيرة داخل الأراضي العراقية بالتنسيق مع الحكومة الإيرانية وأن العسكرية الأميركية ترى ضرورة ضرب الأذرع العسكرية لإيران في كل من العراق ولبنان في أقرب وقت ممكن لتهيئة الأجواء في الشرق الأوسط للديموقراطية وحرية الرأي» كذا ...

وتنتهي الخطة إلى القول: «... إن الأمر لن يقتصر على استخدام الطائرات والصواريخ الأميركية بل ستدعمها أعمال برية هدفها اعتقال بعض القيادات وفي طليعتها السيد حسن نصرالله، وضرورة أن تعمل الحكومة اللبنانية على الاستعداد العسكري لبسط سيطرتها على الأراضي التي سيتم القضاء على قواعد “حزب الله” فيها، مع أهمية تمركز بعض القوات الأميركية في المناطق المحيطة لحين استكمال الترتيبات والاستعدادات العسكرية للحكومة اللبنانية كي تفرض سيطرتها الكاملة على الأراضي اللبنانية». ومنا لمن يعنيهم الأمر.

ومع أن الوضع المأسوي الذي يعيشه لبنان لا يسمح بتداول النكات فإننا نسوق واحدة من صور السخرية السوداء على رمزيتها، كان يرددها الرئيس سليم الحص إبان اشتداد شراسة الحرب الأهلية في لبنان: كانوا يقولون في نعي من توفاه الله:»سبحان الحي الباقي»... والآن وحول ما يحدث يجب أن نردد: «سبحان الباقي بالحي»!

... وشر البلية ما يضحك وما... يبكي معاً.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)