«من رباح إلى شيخة الوادي» عنوان مقال كتبه عيسى درويش في موقع «مرمريتا دوت كوم», تحدث فيه عن جمال وروعة قرية رباح في محافظة حمص وادي النضارة.

لم يبالغ بالوصف الشاعري, لأن أي لغة مهما كانت غنية بمفردات الحسن والجمال ستقف عاجزة عن وصف تلك المناطق الساحرة من بلادنا. كما لم يعط مرمريتا أكثر من حقها بإطلاقه عليها «لقب شيخة» بل ربما اقل مما تستحقه بكثير, فهي ليست شيخة الوادي وإنما ملكة جمال سوريا وقلبها المنير. فهذه البلدة الصغيرة قدمت نموذجاً سورياً استثنائياً للعمل الأهلي, فطافت شهرتها في الآفاق, وصار كرنفالها المصادف في 14 آب من كل عام, مناسبة يؤمها الناس من كل الأنحاء. وحسبنا تصفح موقع مرمريتا دوت كوم, ليشيع فينا حالة من الفرح والحيوية والمحبة, وكأنما الحياة باقة زهر بري تنثره أيدي أهل الوادي, فتزين زمناً مقفراً.

لم تنتظر مرمريتا سخاء حكومتنا «المعطاء» فهي تعرف كباقي البلدات والقرى, أن حكومتنا معلق برقبتها كوم لحم من المسؤولين, وبالكاد تؤمن لهم مصروف الجيب لتغطية نفقات السيارات ولقاءات وحفلات العلاقات العامة والخاصة, ناهيك عن ميزانيات اللطش من تحت طاولات المؤتمرات الدولية والمناسبات الخطابية, أموال لا غنى عنها لتبييض شحار السياسة وتوابعها من السياسيين والمنافقين, حين لا يبقى باليد حيلة ولا فتيلة تسد رمق ريف أو مدينة.

مرمريتا سارت بعون أبنائها المغتربين, ونظمت كرنفال بدأ أهلياً عفوياًُ بمناسبة عيد السيدة, ليتحول إلى مناسبة وطنية عامة تشارك فيها فرق من مختلف المدن السورية, يحل عليها ضيوف من دول أجنبية وعربية, بعدما ذاع صيتها في وسائل الإعلام العربية, وبات الكرنفال النشاط الرئيسي ضمن باقة من النشاطات الثقافية من حفلات موسيقية وغناء وأمسيات شعر وأدب ومحاضرات ثقافة وفكر... إذاً سارت مرمريتا ولحقها الركب, وبدأت القرى والبلدات والمدن الصغيرة تباعاً, تقيم مهرجاناتها وتحتفي ذاتياً بمرابعها وأناسها وخيراتها وترابها وهوائها.

طبعاً لم تفوت الحكومة فرصة رعاية جزء من تلك الأنشطة التي فرضت نفسها, على الأقل كي لا تغيب عن شاشة أبهرتها مرمريتا كصورة للمجتمع السوري في أحلى تجلياته, حين تبدأ استعدادات الأهالي بحملة لتنظيف الشوارع والساحات, والتنافس في ابتكار الأزياء التنكرية واللوحات الاستعراضية, وإعداد المسرحيات والأغاني في عرس يتألق فيه الشباب والفتيات بما يليق بأعمارهم الغضة و بطبيعة غناء ساحرة.

لنتعلم من هؤلاء الناس درساً بليغاً في تكريم الذات الإنسانية والمبادرة في بناء الوطن. نعم لا نبالغ بناء الوطن في الإصرار أيضاً على تحصيل شهادات العلوم العالية, فصار يحق لهم كسائر أبناء وادي النضارة التباهي كما جاء على لسان الدكتور إياد قحوش في استعادة كلمات جده «ستجد بين كل ثلاثة أشخاص من أبناء مرمريتا والوادي, شاعراً أو موسيقياً أو رساما, أما الأطباء؟ فواحد أيه وواحد لاء».

بات لازماً علينا الدق على الخشب؛ لأن الحديث يطول مع أخبار تبرعات مغتربين بررة لتحسين بلدات الوادي, فالمغتربون السوريون بألمانيا «الجمعية السورية الألمانية للعلوم والتكنولوجيا» لم يوفروا جهداً لإنشاء جامعة الوادي «السورية­ الألمانية» الخاصة غير الربحية, بتمويل 140 عائلة من أهالي وادي النضارة. وستدرس الجامعة مناهج الجامعات الألمانية باللغة الإنكليزية من قبل أكاديميين ألمان وأجانب وعرب. بالإضافة إلى كلية ابن حيان للصيدلة والتجميل الخاصة المقامة في الحواش بتعاون مع جامعة باريس الجنوبية الحكومية, وبالاتفاق مع معهد جوفتيرا العالمي للتجميل في باريس, وستكون هذه الكلية نواة الجامعة السورية الفرنسية, كما إن المناهج والمراجع تابعة لجامعة باريس التي ستمد الكلية بالمعدات والمختبرات الحديثة, ويشارك بالتدريس أساتذة فرنسيون. ليس على هذا فقط يحسد الوادي, بل أيضا على موقع مرمريتا دوت كوم, المتميز بتقديم الخبر المحلي جداً, عن كثير غيره من المواقع السورية الإخبارية, أو مواقع البلدات والمدن الأخرى ذات الطابع السياحي, فيخبرنا عن زيارة أمير قطر العائلية إلى بلدتهم, ورحيل شخصية معروفة في الوادي, ولا يهمل خبر زواج في قرية الزويتنة... إلخ من أخبار الوادي مع باقة متابعات مما تنشره الصحافة العربية عن سوريا؛ ليشكل صلة وصل حقيقية مع المغتربين, تضعهم على تماس مع ما يحدث في بلدتهم, من أكبر إلى اصغر حدث, سواء في صفحات الأخبار أو المنتديات, فيستمتع متصفح الموقع بزيارته, وكأنما يزور الوادي فلا يفوته شيء مما حدث أو يحدث هناك. عين الحسود فيها عود, وعيننا فيها مشاهد بؤس لا تنتهي ليافعين وشبان غرباء في بلدهم سرق الفقر منهم الإحساس بمعنى الوطن, فامتطوا دراجات الموت لينهبوا طرق التهريب الوعرة ليصادفوا مصائرهم عند منعطف أو مطب أو... ما أكثر ما يواجهونه حين لا يصادفون مغتربين يحنون عليهم, ولا حكومة تتدبر أمرهم, أو حتى تشعر بوجودهم, هؤلاء أبناء منطقتي الحدودية الذين تحصد أرواحهم المطاردات, منطقتي التي لم تعرف الهجرة وتتباهى بالتمسك بالأرض حتى لو أمحلت, والسماء وإن بخلت, أو نهبها قانون استملاك ظالم تسلّح به موظف جشع في زمن أدبر.

تحية إلى شيخة الوادي والوادي وموقع مرمريتا؛ بكل ما ينضحون به من محبة, إذ يذكروننا بقول الشاعر وعن حق:

يعيب الناس كلهم الزمانا

وما بزماننا عيب سوانا.

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)