في خطابه الموجه للقوات المسلحة، المنقول مباشرة على شاشة التلفزيون مساء يوم 21 آب الجاري، شرح الرئيس ترامب إستراتيجيته لأفغانستان : قطع كل أشكال دعم الدولة للإرهاب. وبمعنى آخر: قطع المساعدات الباكستانية للجهاديين، بشكل عام، ولحركة طالبان على وجه الخصوص.

لإعطاء هوية لباكستان التي فصلها البريطانيون عن الهند، من خلال التلويح لهم بإقامة دولة هندوسية طائفية، أرسلت وكالة المخابرات المركزية آنذاك عميلها سعيد رمضان لنشر مذهب الإخوان المسلمين، ثم وبمساعدة أبو الأعلى المودوي، شكل ميليشيات الجماعة الإسلامية التي صاغت الدستور الباكستاني. وعندما قرر مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي في عام 1978 الإطاحة بالحكومة الشيوعية في أفغانستان، استنجد بالإخوان المسلمين، فأرسلوا له أسامة بن لادن ومجاهديه، فنظم نظم بموازاة ذلك انقلابا ضد ذو الفقار علي بوتو في باكستان، ووضع مكانه في قمة هرم السلطة، الجنرال محمد ضياء الحق، الذي كان عضوا في الجماعة الإسلامية، الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين. فصارت باكستان منذ ذلك الحين، وعلى الرغم من التقلبات والمنعطفات المختلفة، تشكل العمود الفقري للجهاديين، ليس فقط لجهة عملهم في أفغانستان، بل في باقي أنحاء العالم أيضا.

غير أن تورط الدولة الباكستانية في اللعبة الأنغلوسكسونية المزدوجة، قادها في نهاية المطاف نحو التفكك.

أطلقت الصين، ردا على احتمال هذا التفتت، برنامجا واسعا من المساعدات لباكستان، يرمي إلى الاستثمار في مشاريع بقيمة 50 مليار دولار، وإرسال ثلاثة آلاف عامل وفني صيني على جناح السرعة لبناء الجزء الباكستاني من "طريق الحرير"، فيما تعهدت بكين أيضا بتسليح باكستان. وهكذا فإن النفوذ الأمريكي يشهد تراجعا حادا، على الرغم من الثلاثين مليار دولار التي استثمرت في البلاد في عهد الرئيس بوش الابن.

تم استجواب رئيس الوزراء الإسلامي نواز شريف (خلف الجنرال ضياء الحق) في الشهور الأخيرة، بعد تبدل الموقف السياسي للراعي السعودي. وقد تم عزله بقسوة بتهمة التهرب من دفع الضرائب، ووضع مكانه "مؤقتا" شهيد خاقان عباسي، صهر رئيس المخابرات الباكستانية في فترة الحرب السرية ضد الشيوعيين الأفغان.

وفي أول رد فعل له على خطاب الرئيس ترامب، هرع عباسي مسرعا إلى الرياض في 23 آب، حيث استقبله الأمير محمد بن سلمان وأعطاه التعليمات بالتعاون مع واشنطن.

لكن الأمور لاتدار بهذه البساطة من وجهة نظر الباكستانين : قام مورتيمر دوراند عام 1893، برسم الحدود بين أفغانستان وباكستان الحالي عبر تقسيم قبائل البشتون بين البلدين. وخلال الحرب السرية ضد الشيوعيين الأفغان، شجع الأنغلوسكسون أجهزة المخابرات الباكستانية على الاعتماد على هذه الجماعة العرقية، التي تنحدر منها طالبان. وبالتالي، عندما حاول الهنود لعب دور في مسرح العمليات هذا، اعتمدوا على غير البشتون، وخاصة الطاجيك.

يرى ترامب أنه إذا ابتعدت باكستان عن الولايات المتحدة، فإن الهند تبتعد عن روسيا وتقترب من إسرائيل (التي أصبحت أول مورد لها بالسلاح)، لهذا لم يدخر جهدا في مناشدة نيودلهي لممارسة ضغوطها على إسلام آباد.

في نهاية المطاف، وخلافا للدعاية التي تروج لها وسائل الإعلام الغربية لايزال الرئيس دونالد ترامب ملتزما بسياسته، التي أرسى قواعدها في خطابه بالرياض في شهر أيار الماضي، الرامية لمكافحة الإرهاب في كل من أفغانستان، وباكستان.

ترجمة
سعيد هلال الشريفي
مصادر
سوريا