فسر البعض الأحداث الجديدة بأنها طبيعية وحتمية لأن المنطقة في حاجة منذ زمن بعيد الى ان تصحح اوضاعها، بحيث تصبح الأنظمة تعبر عن أغلبياتها، وبناء عليه تكون سورية سنية والعراق شيعي. ومع تفهمي لإشكالات الحكم التاريخية، إلا ان الإيحاء بان اللون الطائفي هو الذي يفترض ان يكون الحكم بين الناس فيه كذب كبير. فشاه إيران كان شيعيا وكان حاكما سيئا. ومحمد علي أعظم منح مصر حكما تحديثيا وتنمويا، لم يكن أصلا مصريا ولا حتى عربيا بل ألبانيا. فالقادة الوطنيون المنتمون للعرق والمذهب لم يكونوا دائما مبدعين او حتى رؤوفين. أي ان تفصيل الحكم على مقاييس مذهبية أو عرقية، كما يفعل بعض العراقيين اليوم، سيقود بشكل أكيد لحكم مشوه تصبح فيه الانتماءات، لا الكفاءات، هي العامل الحاسم، وسيزايد كل في دائرته على من هو اكثر سنية او شيعية من غيره. الرابط المدني في الحكم ثبت أنه الافضل عمليا في المجتمعات المتحضرة حيث يختار لمن يسوس المجتمع من هو الأكفأ في التخصص، وليس من هو أكثر مذهبية وعرقية.

هذا على الصعيد الداخلي، اما الخطأ المعادل له فهو الحكم المبدئي على التحالفات والعلاقات السياسية من خلال طائفيتها، بالزعم ان الأنظمة السنية تتحالف بينها او الشيعية تناصر بعضها، لأن صدام السني كان عدوا لدول الخليج السنية منذ السبعينات عندما كان نائبا للرئيس، وهدد كل وجودها في التسعينات، وكذلك قامت معارك بين نظامي الرئيس المصري جمال عبد الناصر والسعودية السنيين معظم الستينات. واليوم علاقة ايران مع اذربيجان الشيعية سيئة مقارنة بعلاقتها بباكستان السنية. وبالتالي من التبسيط تصنيف المنطقة هلالا شيعيا منسجما او مستطيلا سنيا متكاملا، او نحذر من التآخي الطائفي او حتى الايدلوجي. فالشيوعيون عانوا من الصراعات بينهم حيث عاشت الصين بعد عام واحد من استيلاء الشيوعيين على الحكم على عداء مستحكم مع جارتها الشيوعية حتى سقط الاتحاد السوفياتي.

وأخطر ما قد تفرزه التجربة العراقية على نفسها، هي عقلية التقسيم السياسي بمنطق طائفي خاصة من جانب الأغلبية، لأنها أصلا لا تخسر في ظل حكم مدني يقوم على التصويت كما هو اليوم. فالتصويت نفسه ضامن للاغلبية الحكم من خلال الدستور والبرلمان والحكومة، وبالتالي ليست في حاجة ان تجعله طائفيا.

ويجب ان نحارب بنفس المنطق الطرح الطائفي في سورية، الذي صار يسمع بشكل مرتفع اليوم. نعم، اعتقد ان سورية ارتكبت اخطاء قاتلة في التعامل مع الشأن العراقي منذ أول يوم، خاصة عندما تساهلت مع من كانت تسميهم بالمقاومة التي تصف نفسها بالسنية، ففتحت على نفسها أيضا بابا بالغ الخطورة. الأكيد ان استقرار سورية لصالح المنطقة من خلال محاربة التعصب الطائفي ودعواته، وفي نفس الوقت تشجيع الحكم على دعم الاصلاحات السياسية الذاتية، الذي هو خير ضامن لمستقبل البلاد وشعبه.

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)