قبل أكثر من نصف قرن كان حلم النخب السورية كسر الحاجز الاجتماعي القديم .. وقبل اكثر من نصف قرن أراد المتنورون صياغة الحياة بشكل جديد، فكانت الأحزاب السياسية لونا جديدا أثار الواقع العام وتجاوز المألوف.

الحزب السياسي كما عرفه السوريون قبل 75 عاما كان يعني الجرأة، والمحاولة لإحداث تحول ثقافي. والحزب السياسي عبر عن تجاوز معرفي أراد صياغة المفاهيم بشكل جديد. فكان العمل السياسي يقفز فوق الروابط التقليدية .. وبغض النظر عن تنوع الأحزاب فإنها امتازت بأمرين:

- كانت تمثل الجدة والتطور، وتعبر عن نفس من الشباب والقدرة على التحرك والديناميكية.

- حملت حلما تجاوز بتفاصيله الحالات المطلبية، فهي كانت تتحدث عن "الجيل الجديد" و "العدالة الاجتماعية" وعن "النهوض القومي". كانت هذه الأحزاب تهاجم التكتلات السابقة لها التي شكلت بدورها أحزابا تعبر عن حزمة من المصالح السياسية. واعتبرت الأحزاب الجديدة انها تملك شرعية التغيير لأنها تحمل نظريات، وتملك آفاقا .. فهل تبدلت الصورة الآن .. وهل غدت الأحزاب عبئا على المجتمع بعد ان كانت وسيلته الديناميكية!!

العمل السياسي اليوم لم يعد يملك نفس الصورة التي كانت في بداية القرن الماضي .. والعمل السياسي لم يعد يحتمل وفق طبيعة الظرف أطرا افتراضية وربما أحلاما افتراضية .. وحتى لا نخدع انفسنا فإن العمل السياسي تجاوز نفسه ولم يعد مفهومه محكوم بالمصطلحات القديمة، لأنه تداخل مع صيغ الحياة المدنية ومع الثقافة الاجتماعية. وإذا كان التعبير القديم "كل شيء يختلط بالسياسة" يعبر عن حقيقة ما بعد الاستقلال، فإن ما يمكن أن يطرح اليوم يتعلق بالبنية التي يمكن أن يظهر عليها العمل السياسي، سواء كان حزبا أو غيره من المؤسسات ..

الزمن في العالم تجاوز الوضعيات الحزبية للنصف الأول من القرن العشرين، دون ان يعني هذا الأمر سقوط الأفكار التي حملتها الأحزاب .. والزمن في العالم اليوم أصبح مهتما بسويات التخطيط والإدارة للمجتمع أكثر من اهتمامه بإيجاد تكتلات لها أشكال تنظيمية خاصة .. العالم اليوم مع مفاهيم الضغط الحضاري الذي فرضته الاتصالات والإعلام بات يبحث بشكل علمي عن البنية الاجتماعية ليستطيع فهمها وتطويرها .. ولم يعد الشعار السياسي أو حتى الاجتماعي قادر على الدخول في معترك الحياة العامة.. الصورة القاتمة اليوم للمؤسسات الحزبية، ونحن لا نتحدث عن حزب محدد بل عن ظاهرة عامة، ربما تحيلنا من جديد إلى صياغة أسئلة جديدة حول موقع هذه المؤسسات من الحياة العامة، وربما قدرتها على تجاوز ظرفها التاريخ نحو المستقبل .. نحو الغد .. من خلال التحليل ووضع المعرفة بدلا من الرؤية المسبقة للأمور.