الأنباء عن سعي دمشق إلى صفقة مع المجتمع الدولي حول التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كان لها وقع الصدمة في بيروت، على حلفاء سوريا الذين ينكرون تورطها في الجريمة، وعلى خصومها الذين يريدونها أن تدفع الثمن الباهظ.

وإذا صحت هذه الأنباء، التي لا يمكن أن يتم التثبت من صحتها قبل التوصل إلى الصفقة والعمل بمقتضياتها، فإنها تكون الاعتراف السوري الاول بالمشاركة في تصفية الحريري، علما بأنه سيظل بإمكان حلفاء دمشق أن يقارنوا بين ذلك الاعتراف وبين الإقرار الليبي بتفجير طائرة لوكربي التي فجرتها جهة غير ليبية لكن طرابلس اضطرت إلى قبول حكم الإدانة الدولية والتعويض المالي الكبير من اجل ان تفك العزلة عن نظامها والحصار عن شعبها...

الحرج الذي شعر به حلفاء دمشق اللبنانيون كان يعادل القلق الذي شعر به خصومها، عندما كان الجانبان يتابعان الأخبار أو الشائعات عن وسطاء عرب وأجانب يتنقلون بين العاصمة السورية والعواصم المعنية، باستثناء بيروت طبعا، التي لا تزال ترفض فكرة التفاوض حول الجريمة ومنطق الصفقة حول تداعياتها الخطيرة، لاسباب ليس لها علاقة بالموقف المبدئي أو الأخلاقي.

الجريمة صارت وراء الجميع في لبنان وخارجه، وهي لم تعد تعني سوى عائلة الراحل الكبير التي تطلب العدالة بمعناها القانوني الحرفي. أما الأفق السياسي الذي فتحه التحقيق الدولي ومنذ اللحظة الاولى لصدور قرار مجلس الامن الرقم 1595، فإنه لا يزال في مرحلة الاستكشاف الاولى، بدليل أن الانقلاب اللبناني لم يكتمل فصولا، والتغيير السوري في الأداء او على مستوى الرموز لم يبدأ بعد. وما ان توجه المحققون الدوليون الى دمشق حتى سبقهم اليها عدد من المستكشفين لمعرفة مدى استعدادها للتجاوب مع المطالب الدولية التي حدد معظمها قبل اغتيال الحريري.

قيل إن الرد الأول من جانب واشنطن وباريس على العرض السوري كان سلبيا جدا. وهذا هو أول وأبسط شروط التفاوض، او التمهيد للجلوس حول طاولة المفاوضات. المؤكد ان الردود التالية ستكون مختلفة لان العروض المقبلة ستكون مختلفة حتما. المهم الآن ان قنوات الاتصال فتحت كما يبدو، تحت عنوان الجريمة السياسية الكبرى، وتحت سقف عدم الرغبة الدولية في الاطاحة بالنظام السوري، لان بديله معروف وهو الفوضى او الحكم الاسلامي، علما بأن بعض الاوساط الغربية لا تمانع البحث عن بديل ثالث من داخل النظام نفسه.. يقال إن الصفقة لا تزال مستبعدة، والطريق اليها سيكون شاقا وطويلا، وهي لن تشمل في مراحلها الاولى سوى الاطار القضائي للمحاكمة المنتظرة لمنفذي الجريمة والاطار السياسي العام لتنظيم العلاقات اللبنانية السورية.. برغم ان قدرة بيروت على الانتظار تتراجع يوما بعد يوم، وقدرة دمشق على الاحتمال تتلاشى يوما بعد يوم، وكذلك رغبة المجتمع الدولي في اصدار حكمه النهائي.

مصادر
السفير (لبنان)