بدأت حركة سياسية وأمنية تجد طريقها إلى العاصمة السورية، بعد أشهر من التردد سبقتها أشهر من المقاطعة. وتبين مؤخراً لدى المسؤولين الأوروبيين، قبل نظرائهم الأميركيين، أن الحديث إلى سوريا بشأن الملفات السياسية المختلفة في المنطقة، أمر محتم، وذلك بعد حسابات وتدقيق دبلوماسي في تحركات دمشق الأخيرة، التي عززت من القناعة بأن سوريا استطاعت من بعيد وفي صمت شبه تام، تحريك عدد من القضايا العالقة حتى من دون طلب مقابل لذلك.

وبحسب مصادر دبلوماسية عربية ومصادر واسعة الاطلاع في العاصمة السورية، تمثل زيارة منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا دلالة رمزية خاصة، في ضوء «الاعتراف» الفرنسي بوجوب التحدث إلى دمشق. وتقول المصادر السورية لـ«السفير»، ان السبب الرئيسي لهذا التوجه قد يكون نتيجة المرونة الأميركية التي بدأت تظهر تجاه سوريا، وذلك بفعل ضغط الكونغرس والرأي العام الأميركي على الإدارة. كما يأتي هذا التطور بالتوافق مع رغبة أوروبا بإجراء حوار، بعد ترددها حياله نتيجة الموقفين الأميركي والفرنسي.

ويعتقد أن عوامل عديدة كان لها الدور الرئيسي في هذا التحول، بينها المساهمة التي قامت بها سوريا حيال الأزمة السياسية الفلسطينية، ومساهمتها في عقد لقاء في دمشق بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، وضغطها باتجاه إنجاح اتفاق مكة.

والعامل المؤثر الآخر في التطورات الأخيرة، كان في «الآراء السورية تجاه العراق» التي قادت إلى توافق تام مع تركيا وإيران، حول سبل الحل في العراق، والتي اصطلح على تقديمها في اجتماع بغداد من قبل الأطراف الثلاثة. ويأتي ذلك في الوقت الذي تشكل فيه أزمة اللاجئين العراقيين في سوريا عامل ضغط على موارد دمشق الاقتصادية والاجتماعية، وهو أمر بدأ المجتمع الدولي تقدير أهميته ودلالاته، خصوصاً في ضوء التخوف من امتداد الصراع الداخلي العراقي إلى تجمعات العراقيين في الخارج. وتأتي زيارة مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية إيلين سوربري لتشجع أوروبا على تحرك مماثل وان في مجالات أخرى.

ويعتقد دبلوماسيون غربيون أن ثمة رغبة سورية صادقة في «تحقيق السلام» مع إسرائيل، وان القيادة في دمشق جاهزة للتفاوض على الأسس المعروفة. كما ان الحلول لن تكون شاملة من دون سوريا، ومن غير الواضح ان كانت واشنطن مستعدة لدعم تحرك في هذا الاتجاه في ظل مباركة أوروبية.

وعلى الرغم من انه لم يطرأ أي تحرك جوهري على صعيد الموقف السوري تجاه لبنان، إلا أن الموقف الإيجابي لدمشق في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في القاهرة الاسبوع الماضي كان دافعاً لتلمس إشارات إيجابية أخرى، إلى جانب التصريحات المنقولة عن المسؤولين السوريين بالقبول بما يقبل به اللبنانيون.

ويتعلق تطور آخر بالدور الإيراني في المنطقة والعلاقات السورية الإيرانية. وتسجل مصادر سورية واسعة الاطلاع قيام دمشق بتحذير الجانب الإيراني من مخاطر تنامي الانشقاق الشيعي السني في المنطقة، وخصوصاً بعد إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين والذي يمكن أن تكون له تأثيرات سلبية على قوى أخرى «ذات توجه مقاوم وغير طائفي» مثل «حزب الله».

وتعتبر المصادر ان هذا الأمر شكل دافعاً لدى طهران للتحرك سريعاً باتجاه الرياض، حتى تتحقق القمة السعودية الإيرانية التي لاقت ترحيباً دولياً، في ضوء القلق الذي بدأ يتنامى من مخاطر امتداد الصدام السني الشيعي في العراق نحو المنطقة، وباتجاه المجتمعات المسلمة في أوروبا.

مصادر
السفير (لبنان)