لم تكن العلاقات السورية العراقية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، متوترة فقط، بل كانت عدائية. ففيما كانت دمشق تدعم ايران في حربها مع العراق، كان نظام الأخير يمد حركة الأخوان المسلمين المتمردة بالسلاح لضرب نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد. تسببت تلك المواجهة بخسائر اقتصادية فادحة على سوريا، ما عزز قناعات دمشق حيال نظام الرئيس صدام حسين، من حيث خطورته على مستقبل المنطقة عموما.

لكن سوريا، مع نهاية التسعينيات، فضلت فتح الطريق السريع بين بغداد ودمشق الذي أصبح شريان الاقتصاد العراقي، وذلك تفاديا لعدو أكثر شراسة، تمثل في خطة الولايات المتحدة إسقاط نظام صدام بالقوة العسكرية، واحتمالات الفوضى والتقسيم التي كان يعنيها ذلك.

سمح هذا بتجاوز الخلاف «البعثي» التاريخي بين البلدين، وتجاهلت سوريا نسبيا ما تسبب به دعم العراق للأخوان المسلمين من ضحايا، ووصل حجم التبادل التجاري قبل الحرب إلى حدود المليار دولار، وأيدت سوريا الموقف العراقي من لجنة التفتيش الدولية عن اسلحة الدمار الشامل، فصارت لسان العراق في المحافل الممنوعة عنه، ونسقت مع أطراف دولية عديدة أبرزها فرنسا وروسيا لتفادي الحرب، وهو ما رسخ عدائية إدارة الرئيس جورج بوش لدمشق وجعلها في مقدمة أولوياته السياسية في المنطقة.

فقبل ذلك بعام تقريبا، التقى وزير الخارجية الاميركية السابق كولن باول بالرئيس السوري بشار الأسد في زيارة ذات وجهين، الأول استكشاف إرادة وطبيعة الرئيس الشاب الجديد، والثاني توفير الدعم لسياسة واشنطن في الضغط على النظام العراقي.

كانت دمشق قد استهلت قبل ذلك بعام الرحلات الجوية مع بغداد، بعد انقطاع لعشرين عاما، وكان انبوب النفط العراقي يضخ نفطه عبر المرافئ السورية، وكانت بضاعة العراق تعبر عبر المعابر السورية. كان الهدف من وقف علاقة دمشق مع العراق شل البلد المحاصَر أصلا. رفض الأسد إغلاق انبوب النفط، وأعلن في حوار لصحيفة «المجد» الاردنية أن دراسة تجري لمد انبوب جديد، واستقبلت دمشق على الملأ نائب الرئيس العراقي عزة ابراهيم الدوري. وإن كان لا بد من الإشارة فإن أرفع مسؤول سوري زار العراق والتقى صدام كان رئيس الوزراء السابق محمد مصطفى ميرو، بعد إلحاح من الجانب العراقي، الذي شعر بأن هناك خللا في مستوى الزيارات البروتوكولية بين البلدين، ولاحقا دافع أحد المسؤولين السوريين عن هذه السياسة من ناحية رؤية المصلحة العربية العليا، ومصلحة العراق عموما، تفاديا لأخطار المجهول في ما بعد نظام صدام، واستشهد وقتها بانخفاض مستوى التمثيل السوري في العلاقات مع بغداد كنوع من الحرج الأخلاقي مما تسبب به نظام صدام لسوريا.

لاحقا، فوجئت دمشق، كما فوجئ كثيرون، بالسرعة التي انهزم خلالها النظام العراقي واحتلت بها القوات الاميركية بغداد. كانت قوافل المتطوعين من العرب تعبر الحدود السورية باتجاه العراق، للدفاع عن العاصمة العربية الثانية المهددة بالاحتلال. كانت وجهة نظر الساسة السوريين حينها، أنه أيا كان الحسم العسكري في العراق، فثمة أمران لا مفر منهما، أولا أن العراق بالتواجد الاميركي فيه والانفلاش الأمني والسياسي، بات تهديدا لسوريا؛ وثانيا أن الحرب بين النظام السابق والاحتلال، وإن انتهت، فإن حربا أكثر شراسة بدأت لا يمكن لأحد التكهن بنهايتها، في حين اطلت بالاضافة الى ذلك مخاوف جدية من تقسيم العراق، وتحوله إلى دويلات طائفية واثنية.

بعد سقوط بغداد، وتحديدا في أيلول العام ,2004 زار وفد اميركي يترأسه مساعد وزير الخارجية الاميركية وليام بيرنز دمشق والتقى القادة السوريين. طلب الاميركيون «التعاون». وكان هذا «التعاون» يعني تسليم كل من تعتقد واشنطن أنه مطلوب بالنسبة لها وموجود في سوريا؛ وإغلاق كل المنافذ الرسمية وغير الرسمية في وجه المسلحين العابرين الى العراق؛ والاعتراف بالاحتلال الاميركي فيه؛ ودعم العملية السياسية لاحقا. وعطفا على الملف العراقي كان ثمة مطالب أكثر تحديدا في ما يخص لبنان وفلسطين. ثم قام ريتشارد ارميتاج بزيارة سوريا في بداية العام ,2005 وكانت آخر اللقاءات الرفيعة المستوى بين الجانبين.

تعاونت دمشق استخباراتيا مع واشنطن، واستمر هذا التعاون حتى أوقفه السوريون منذ حوالى العام، بعد انحساره إلى قنوات الاستخبارات وعدم جدواه السياسية.

أصبحت علاقة دمشق وواشنطن، أكثر من متوترة. منعت واشنطن التقارب العراقي السوري. تشكلت الحكومة العراقية الأولى وترأسها إياد علاوي الذي تربطه صداقات بمسؤولين سوريين، فزار دمشق العام ,2005 وتم التوصل الى اتفاق أمني بين الطرفين، لكن هذا الاتفاق لم ير النور، ولم يتحول إلى اتفاق لتسليم المطلوبين حتى تحققت الزيارة التاريخية لأول رئيس عراقي بعد صدام حسين جلال الطالباني إلى سوريا بداية العام .2007 ساهمت زيارة الطالباني بتأطير ورسم استراتيجية سياسية للعلاقة بين البلدين. قبلها في كانون الأول 2006 تم افتتاح السفارتين، وذلك بعد زيارة وزير الخارجية وليد المعلم الى بغداد وعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ظل الخلاف في وجهات النظر يظلل هذا التطور التاريخي.

ففيما تصر سوريا على تطوير العلاقات بكافة جوانبها بالتوازي، تعتبر بغداد التقدم في التعاون الأمني مدخلا لبقية أشكال التعاون.

لذلك، ثمة من يعتقد في دمشق، أن نجاح علاقة عراقية سورية في الظروف الحالية «يبقى معقدا في الظرف الراهن». ويأتي شاهد على ذلك التصريحات الأخيرة لكل من رئيس الوزراء العراقي جواد المالكي، والناطق باسمه علي الدباغ، بعد زيارة الطالباني الى دمشق. فلا تزال العلاقة مع بغداد مرهونة بالعلاقة مع واشنطن، بالرغم من تشديد أكثر من مسؤول عراقي، على أنه لا يوجد رابط بين الأمرين. لكن المؤتمر الاقليمي ـ الدولي الذي عقد في العاشر من شباط في بغداد، وزيارة المسؤولة الاميركية ايلين سوربري الى دمشق، قد يحددان لاحقا وجهة مسار العلاقات المترنحة بين العاصمتين العربيتين.

مصادر
السفير (لبنان)