اتفق الاتحاد الأوروبي وسوريا أمس، على استمرار الاتصالات بينهما، بعد زيارة المنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا الى دمشق، التي رأى فيها العديد من المراقبين في سوريا «الضربة القاضية» للعزلة الأوروبية تجاه العاصمة السورية، فيما شدد دبلوماسيون غربيون على أنها «خطوة مشروطة بتعاون سوري في ملفات عديدة أبرزها الملف اللبناني».

وفيما أثارت تصريحات سولانا حول استعادة الجولان الى سوريا، استياء اسرائيل، بدا واضحاً في المؤتمر الصحافي الذي عقده المسؤول الاوروبي مع وزير الخارجية السورية وليد المعلم، تجنب الإشارات السلبية، ومحاولة سولانا ترسيخ أجواء إيجابية على زيارته السورية. وقد أكد مصدر دبلوماسي غربي لـ«السفير»، أن «الجو الإيجابي لم يمنع النقاش الصريح والمباشر»، مشيراً الى أن «جهداً واضحاً للتواصل بين الطرفين كان جلياً في المحادثات»، وأن اللقاءات «كانت صريحة وعبر كل طرف عن وجهة نظره بصراحة تامة».

وأجمع مراقبون على اعتبار زيارة سولانا «خطوة من الجانب الفرنسي» تجاه دمشق، إضافة لكونها خطوة أوروبية، وذلك في إشارة إلى اللقاء الذي جرى بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك وسولانا قبل الإعلان عن الزيارة. ورأت مصادر سورية مطلعة أن زيارة سولانا «تمثل توجه 27 دولة» أوروبية، مشيرة إلى «تحسن في المزاج الأوروبي» بشكل عام. وكان سولانا أجرى ثلاثة لقاءات مع الجانب السوري بدأها مع المعلم، ثم نائب الرئيس فاروق الشرع، ليلتقي أخيراً الرئيس بشار الأسد، الذي اجتمع به لمدة خمسين دقيقة في اجتماع مغلق، شرح خلاله سولانا توجه الاتحاد الأوروبي تجاه المنطقة ككل، مركزاً على لبنان، وخصوصاً القرار ,1701 فيما ركز الجانب السوري على الهواجس الأمنية والقلق على استقرار المنطقة.

وذكرت وكالة الأنباء السورية أن الأسد اتفق مع المسؤول الاوروبي «على التشاور المستمر بين سوريا والاتحاد الاوروبي في ما يخص قضايا المنطقة وضرورة اضطلاع الاتحاد الاوروبي بدور إيجابي وفعال في قضايا المنطقة بما يتناسب ومصالح الاتحاد ودول المنطقة بما يضمن تحقيق الامن والاستقرار الذي سيخدم جميع الأطراف».

وقد استعرض الجانبان «القضايا الاقليمية والدولية ولا سيما في الساحات العراقية والفلسطينية واللبنانية». كما جرى بحث «العلاقات السورية الاوروبية وآفاق التعاون والرؤى المستقبلية للعلاقات المبنية على احترام الخيارات والأدوار لكل طرف، بما يسهم بتعزيز التعاون والتفاهم والتبادل المثمر في مختلف المجالات، ما سيترك أثراً إيجابياً في بنية العلاقات والقضايا في المنطقة عامة». وجرى أيضا خلال لقاء الرئيس السوري وسولانا «بحث عملية السلام في الشرق الاوسط والتأكيد على أهمية العودة الى قرارات الشرعية الدولية بما يكفل عودة الحقوق واسترجاع الأراضي المحتلة وفى صلبها الجولان حتى خط الرابع من حزيران عام 1967 على أرضية السلام العادل والشامل».

من جهته، شدد الشرع خلال لقائه بالمسؤول الأوروبي «على ان سوريا كانت وستبقى تساهم في كل ما من شأنه إزالة عوامل التوتر في الشرق الاوسط».

بدوره، اكد المعلم تأييد سوريا لما يتفق عليه اللبنانيون، فيما شدد سولانا على «دعم الاتحاد الاوروبي لحق سوريا في استعادة الجولان المحتل حتى خط الرابع من حزيران، وعلى أهمية بذل كل الجهود لاستئناف علمية السلام على كل المسارات». وفي المؤتمر الصحافي الذي جمع سولانا والمعلم لاحقا، أعاد المسؤول الاوروبي تأكيده على وجود اختلافات بين الجانبين، لكن مع التذكير بأن أبواب الحوار مفتوحة، مشدداً على أن لقاءات عديدة مقبلة ستجمع الطرفين.

وقال سولانا في بداية حديثه ان أحد أسباب عدم زيارته دمشق لثلاث سنوات ان «مواقف الاتحاد الأوروبي مختلفة مع سوريا حيال مختلف المسائل التي تهم الطرفين». وأضاف أن لقاءه الطويل مع الأسد الذي جرى وسط «أجواء صريحة»، تطرق إلى «كيف يمكن لسوريا أن تواجه مختلف المسائل بين الطرفين»، وانه دعا الرئيس السوري الى «بذل جهود كبيرة لتطبيق القرار .1701 هذا أمر جوهري لتحقيق السلام والاستقرار في لبنان»، إضافة «الى اتخاذ إجراءات صارمة ضد تهريب الأسلحة عبر الحدود مع لبنان». كما أكد انه قال للرئيس السوري «يجب إقران الأقوال بالأفعال».

وتمنى سولانا من دمشق أن تؤيد «المبادرات الموجودة على طاولة الحوار حالياً»، مضيفاً أنه أبلغ الأسد ان «هناك فرصة مناسبة لجعل سوريا جزءاً من هذه المبادرات المطروحة». وفيما شدد على المناخ الإيجابي الذي ساد لقاءاته، قال ان «الاتحاد الأوروبي نشر آلاف الجنود في جنوب لبنان» وانه يدعم سلاماً شاملاً في المنطقة، مشيراً الى انه سيعمل «بكل جهد لنرى سوريا وقد استعادت أراضيها التي خسرتها في العام 1967».

وذكر سولانا أنه تحدث مع السلطات السورية «عن الجهود التي يمكن لسوريا أن تبذلها لإحلال الأمن في العراق». وقال «ناقشنا الاجتماع الذي عقد في بغداد ونتطلع لعقد اجتماعات أخرى من طبيعة مماثلة». كما أشار إلى رغبة الاتحاد الأوروبي في رؤية مساهمة سوريا «في الجهود التي تهدف إلى حل النزاع بشأن الملف النووي الإيراني وفقاً لقرارات الشرعية الدولية».

وفي سؤال لـ«السفير» حول ما إذا كان يمكن اعتبار زيارته مرحلة جديدة من اللقاءات، قال سولانا «أعتقد أننا سنجد أناساً يتحدثون في الأيام المقبلة لأن نشاطات كثيرة ستجري، فهناك القمة العربية حيث تلقيت دعوة، وهناك لقاءات ستجري كاجتماع دول الجوار والذي يشارك فيه الاتحاد الأوروبي، وأيضا مشاورات الرباعية.. ستكون هذه المواعيد فرصة لدفع الحوار قدماً ومن هنا وحتى نهاية الشهر سيكون هناك فرص كثيرة للحوار المستمر وأتمنى أن تسمح لنا هذه الحوارات بالتحدث حول المنطقة». ورأى أن «المهم هو الوقائع وتقدم الأمور».

وفي ما يتعلق باتفاقية الشراكة، قال سولانا «متى ما تحركنا لن يكون هناك صعوبات على ما أعتقد»، مؤكداً على رغبة الاتحاد الأوروبي في «شراكة حقيقية». وختم بالقول «أريد أن أقول إنني أرغب بالعودة إلى هنا في القريب العاجل ولا أريد أن يمر عامان كي أعود، لذلك هنالك ضرورة لاتخاذ القرارات المناسبة». من جهته، قال العلم «أريد أن أؤكد أنه بفضل الموقع الجغرافي التاريخي الذي تتمتع به سوريا في الشرق الأوسط فإنها ستبقى جزءاً من الحل لاستقرار وأمن المنطقة». وأضاف «نقدر عاليا الدور الذي يقوم سولانا لحل مشاكل المنطقة». وتابع في تقييمه للقاءات سولانا «كانت هناك نقاط عديدة للاتفاق وأخرى للاختلاف وهذه بداية ونأمل أن تستمر علاقاتنا الثنائية لكي ننتج حواراً مثمراً». وأكد المعلم حرص سوريا «على تطبيق القرار 1701 وعلى أن تقوم قوات اليونيفيل بمهامها على أكمل وجه». وسئل عن موضوع تهريب الأسلحة عبر الحدود اللبنانية، فقال ان «سوريا تنفي صلتها بهذا الموضوع لكنه سيكون من مواضيع الحوار التي يتم التطرق إليها» مع سولانا.

وفي موضوع المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، قال المعلم «لا نقول إطلاقا اننا ضد المحكمة ذات الطابع الدولي، وهناك إجماع في لبنان على مبدأ قيام المحكمة وهناك اختلاف في لبنان على نظام المحكمة.. نحن ننتظر نتائج التحقيق الذي نتعاون معه بشكل كامل ولا نريد أن نقفز عن النتائج».

ونفى الوزير السوري أي علاقة لبلاده بالتنظيمات الأصولية المتطرفة «خصوصاً فتح ـ الإسلام»، قائلا ان «سوريا دولة علمانية ولا صلة لها بتنظيمات متطرفة». وأشار الى «التوقيت الذي اختير للإعلان عن هذا العمل الإرهابي، وأعيدكم الى توقيتات سابقة في أعمال إرهابية جرت في السابق». وشدد على ان «سوريا تدين أي عمل إرهـــابي يستهدف أمـــن واستقرار لبنان وحيـــاة أي مواطـــن لبناني وتعتبره عملاً إرهابياً».

وحول الموقف الفرنسي من زيارة سولانا، قال المعلم ان هذا «موقف إيجابي، لأنه من خلال الحوار البناء والعملي، الكثير من المشاكل يمكن حلها».

وفي ما يتعلق بالمبادرة العربية للسلام، قال المعلم ان «الوزراء العرب اتخذوا قرارهم بالإجماع في تأييد المبادرة العربية خلال اجتماعهم الأخير في القاهرة»، وهو ما دعمه سولانا بقوله ان «الاتحاد الأوروبي أيد المبادرة منذ البداية»، معتبراً أنه يأمل أن تكون المبادرة «جزءاً من الحل الشامل في المنطقة». في اسرائيل (يو بي آي)، أثار تأكيد سولانا على حق سوريا في استعادة الجولان ردود فعل غاضبة. وقد سارع عضو الكنيست عن حزب العمل أوفير بينيس الى تقديم اقتراح عاجل إلى جدول أعمال الكنيست لعقد جلسة يتم فيها بحث أقوال سولانا.

واعتبر بينيس انه «من المناسب قبل أن يعد الأوروبيون بإعطاء هضبة الجولان لسوريا أن يطالبوا السوريين بقطع علاقاتهم مع الجهات الإرهابية في إيران ولبنان والتوقف عن منح مأوى للإرهابيين مثل خالد مشعل».

وقال وزير الخارجية السابق وعضو الكنيست عن حزب الليكود سيلفان شالوم إن تصريحات سولانا تعكس «انهياراً سياسياً شاملاً». وأضاف انه «بعدما قررت أوروبا التحدث مع حماس أعلنت اليوم عن دعمها لتسليم الجولان لسوريا وهذا تطور خطير ومقلق يلزم بإجراء استعدادات طارئة لإيقاف هذا الانهيار».

وأضاف شالوم ان «أوروبا لا تريد البقاء في الخلف وهي ترى كيف أن الولايات المتحدة تلتقي مع السوريين في العراق ولذلك فإن الأوروبيين يسارعون إلى إطلاق التصريحات في الموضوع من أجل العودة إلى مقدمة المسرح الدبلوماسي».

مصادر
السفير (لبنان)