عندما كنت صغيرا وأسمع عن الانتخابات والاصوات، كنت اخمن ان الناخب يطلق صوتا (صوتا بشريا ما) ما بطريقة ادارية ما ليضاف الى رصيد المرشح، وبالتالي ينجح المرشح ويصبح (حدا) كبير له صولة وجولة، يحنو على الشعب ويخطب في البرلمان الذي لم اعرف وقتها ما هو.

واليوم .... لم تختلف الصورة كثيرا الا في موضوع (الـ حدا الكبير)، طبعا لا أشكك بموضوع الحنو ذاك ولا في الخطابات التي يمكن لأي كان ان يحزرها وربما يرددها عن ظهر قلب، والذي لم يتغير وبعد ان وعيت المسألة هو معنى الصوت والتصويت فما زال الذي يحصل (يجيب) اكبر عدد من الاصوات يكون هو الناجح والسابق والحاجز مقعدا في البرلمان، ولكن مع كبر سني ووعي وتجربتي بدأت اتساءل هل يكفي عدد الاصوات للحصول على نائب في المجلس يمثل الجميع وليس منتخبيه فقط ؟

اعتقد شخصيا ان ذلك يكفي فلا طريقة أخرى اكثر جدوى من صناديق الاقتراع ولكنها عملية مفردة ، او جزء قد يكون بسيطا من العملية الانتخابية ولا تعبر وحدها ( بمفردها ) عن سلامة اختيارنا لممثلينا ... اذ ماذا لو اراد احد المرتشين ان يرشح نفسه ليحفظ حقوق اصحاب هذه (السوسة) ألن ينجح ؟

أو ماذا لو ترشح شخص لا يؤمن بالعملية برمتها وهو ضد الحداثة وما بعدها وحتى الديموقراطية ذاتها لأسباب أخلاقية او تراثية ألن ينجح ؟ لا أعتقد ان الكلام في الثقافة والتثقيف يكفي فالمسألة استراتيجية ومتعلقة بالكثير من العوامل والمعيقات ، ولكن الامكانية الجاهزة هي فكرة العقد الذي هو شريعة المتعاقدين ،ومن أهم شروط العقد هو ان يعرف الطرفين بعضهما .. فهل نحن نعرف المرشحين ؟ (وهنا لا اقصد شخصيا) الذين يفترض بهم ان يكونوا شخصيات عامة لها اياديها البيضاء او السوداء او الوردية على المجتمع وبشكل معلن وتنافسي ( فليس عيبا ان يكون طموح احدهم أن يمثل الناس تحت القبة) وعلى طول الفترة التي تفصل بين برلمانين . كما أن فكرة العقد تتضمن مسألة الشروط والا على ماذا نتعاقد ؟ فنحن لسنا ملائكة وموضوع الاتفاق التعاقدى خاضع للتنفيذ والمحاسبة وأيضا بشكل علني وتنافسي ( تنافسي وليس عدائي ) لنحصل على مرشح نعرف من هو ونعرف ماذا يريد ان يقدم لنا مقابل صوتنا.

لم اسمع ولو مرة واحدة عن عملية تنافسية علنية قام بها مرشح .. لأنه وببساطة بيته من زجاج مثل بيت منافسه وبالتالي اسقاط اهم شروط الترشح وهو المحاسبة ...وبالتالي الوعد ..أي البرنامج السياسي للمرشح ، أي أننا امام مرشح يريد ان يتعاقد معنا دون شروط ( ربما بضمانة انه يستطيع الانجاب ) ما يعني ان نقدم له صوتنا وهو يقدم لنا ابتسامته وكان الله يحب المحسنين.

طبعا لم نتكلم لا عن شهادات الدكتوراه ... ولا عن العقل السياسي المركب ولا عن تكاليف الحملات الانتخابية ، ولا عن الخبرة السياسية او الاجتماعية ، ولا عن أراء المرشحين في العلم والفن والحياة . صناديق الاقتراع .. وحدها ... يمكن أن تأتي بأوخم العواقب