ليست عملية رصد أو بحث في مسائل "الإنجاز"، فسرد الأحداث لن يوصلنا إلى عمق التكوين الذي شهدناه، وكثرة التفاصيل ربما تدفعنا أحيانا إلى مسار خاص يعفينا من النظر للمشهد الذي تشكل مع مرور السنوات، فإذا كان صحيحا أن التطورات الدولية أثرت بشكل كبير على سورية، لكن وبموازاة ذلك فإن البنية السياسية بدأت تأخذ أيضا شكلا خاصا نتيجة الحدث. في عام ألفين ظهرت المنتديات، وكان واضحا ان روادها ومعظم المتحدثين فيها هم أصحاب توجه سياسي أكثر منهم منظرين لمسألة المجتمع المدني، لكن هذه الحركة لم تخلق فرزا واضحا إلا بعد إغلاق المنتديات، وهذا الفرز لم يظهر على أساس تيارات بل "ناشطين"، وتعبير "ناشطين ربما يلخص الصورة السياسية التي انتهت إليها حركة المنتديات، لأنها أفرزت مواقف سياسية بدلا من أن تنتج أفكارا جديدة. وإذا كان قصر التجربة يبرر انها لم تستكمل "بنية" واضحة لها، لكن مسألة إغلاق المنتديات لم يمنع من استمرار اللقاءات، وحتى أن أحد المنتديات استمرت بعد عملية الإغلاق فترة طويلة، وربما هذا الاستمرار هو الذي أتاح لاحقا ظهور "إعلان دمشق". عمليا فإن الدولة اعلنت "الأجندة الاقتصادية" معتبر ان أولوية الإصلاح في هذا الموضوع تمس الجميع، وتم تأخير أي أجندة سياسية داخلية، في المقابل فمنذ إغلاق المنتديات توقفت أيضا أي أجندة سياسية "للناشطين"، بينما ظهر تحرك واسع في مجال "حركات حقوق الإنسان" التي بدأت ترصد مظاهر الحياة العامة. والمهم ان توقف الأجندة السياسية الداخلية كان يمثل:
-  مرحلة إعادة تكوين بالنسبة للدولة حتى تستطيع تكريس الثقة ببرنامجها من الجهة، وظهور نتائج عامة من جانب آخر. وبالفعل فإن البرنامج الاقتصادي عدل الخارطة العامة بغض النظر عن المواقف من هذا التعديل، لكنه أثر على بنية المجتمع، ودفع بالوجوه الاقتصادية إلى سطح الحدث، وبعد عامين فقط كان مجلس الشعب يضم أكبر المستثمرين السوريين، ووجوه اقتصادية جديدة. هذه الصورة وإن كانت لا تدخل في عمق "الأجندة السياسية الداخلية" للدولة لكنها تشكل داعما أساسيا، لأنها استطاعت تحقيق كسب في مجال الاستثمارات الخارجية، وما يعنيه هذا الأمر من تكريس الثقة بالسياسة العامة للدولة.
-  مرحلة انتظار بالنسبة لـ"الناشطين" لأن تأخير إعلان أي أجندة سياسية خاصة بهم كان يعني أيضا التحول باتجاة المتغيرات التي يمكن أن تحدث على السياسة العامة للدولة. فالناشطون وحتى بعد ظهور إعلان دمشق كانوا يتحدثون عن "حوار وطني" وبغض النظر عن هذا "المطلب" لكنه لا يشكل أجندة. ورغم أنه تحت عنوان حوار وطني لكنه كان يعني الحوار بين "المعارضة" والدولة لأن لقاء "التيارات" كان موجود بالفعل لكنه يحتاج إلى برنامج. ورغم أننا لسنا بصدد تقييم الخطوات التي قام بها النشطاء، إلا أننا نقدم صورة فقط لأن التطورات بعد احتلال العراق ضيقت هامش التحرك بعد أن دخلت الأجندة الدولية عنوة في كل الشؤون الداخلية للمنطقة، وأصبح العراق نموذجا يمكن للجميع أن يستخدمه عند الحديث عن "الديمقراطية" أو "الحريات" أو حقوق الإنسان أو غيره من المصطلحات التي ميزت هذه المرحلة.

مصادر
سورية الغد (دمشق)