مؤخرا وبطريقة تكاد تكون غير ملحوظة، دخلت الحرب في العراق طوراً جديداً. حدث ذلك بعد أن أكدت التصريحات المقتضبة الصادرة عن البيت الأبيض شيئاً ظل طويلاً موضعاً للشك، ألا وهو أن الولايات المتحدة تخطط لوجود عسكري طويل الأمد في العراق. ويعد هذا في الحقيقة تطوراً استراتيجياً عظيم الأهمية، حيث يمثل إعلاناً واضحاً من قبل الولايات المتحدة عن أنه على رغم المصاعب التي تواجهها في ذلك البلد في الوقت الراهن -كان شهر مايو المنصرم هو الشهر الأكثر دموية منذ عام 2004 بالنسبة للقوات الأميركية حيث لقي 119 جندياً مصرعهم- فإنها تنوي استبقاء سيطرتها على العراق، وعلى احتياطياته النفطية الضخمة، وهو شيء سينتبه إليه ولاشك جيران العراق، والدول المتعطشة للطاقة، وشركات النفط العملاقة.

في زيارته للقيادة الأميركية في المحيط الهادي التي يقع مقرها في هونولولو، قال وزير الدفاع الأميركي «روبرت غيتس» إن الولايات المتحدة تتطلع إلى «وجود طويل ومستمر» في العراق يتم بموجب ترتيبات متفق عليها بشكل ثنائي مع الحكومة العراقية. وأضاف «غيتس» أن تلك العلاقات، يمكن أن تكون «على غرار النموذج الكوري الجنوبي، أو على غرار ترتيباتنا الأمنية مع اليابان» . يذكر في هذا السياق أن هناك قوات أميركية موجودة في كوريا الجنوبية منذ انتهاء الحرب الكورية (50- 1953)، وأخرى في اليابان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وأكد المتحدث باسم البيت الأبيض «توني سنو» أن الرئيس بوش قال إنه يريد أن يرى وجوداً طويل الأمد للقوات الأميركية في العراق، يتم بناء على دعوة من الدولة المضيفة.. لأن «الحرب الدائرة في العراق، والحرب الأوسع نطاقاً ضد الإرهاب ستستغرقان وقتاً طويلاً» - كما قال.

ومثل تلك التصريحات، والتخطيط العسكري الذي يرافقها، تجهض بشكل واضح، بل وتُسَفِّه، الجدل الدائر في الوقت الراهن، في الكونغرس، وفي الصحافة، وبين الجمهور الأميركي العادي، حول ما إذا كان يجب على الولايات المتحدة أن تحدد موعداً نهائياً لانسحاب قواتها من العراق، أو ما إذا كانت الزيادة الأخيرة في أعداد القوات في هذا البلد تحقق نتائج إيجابية أم لا. فتلك التصريحات عن البقاء الدائم في العراق، تبين بجلاء أن إدارة بوش تنظر لما هو وراء ذلك بكثير، وهو ما يستدعي سؤالاً بديهياً هو: ما هي الدوافع التي تقف وراء ذلك الطموح البعيد الأمد؟ لاشك أن الرغبة في استبقاء السيطرة على مصدر مهم من مصادر الطاقة في وجه المنافسين المحتملين مثل الصين يمثل دافعاً من بين تلك الدوافع -فلو لم يكن هناك نفط في العراق لما كانت الولايات المتحدة هناك الآن.

الدافع الثاني لذلك، هو رغبة الولايات المتحدة في إظهار تواجدها القوي في منطقة الخليج المنتجة للنفط، بل وعلى ما وراءها، وهي منطقة تمتد من آسيا الوسطى إلى شرق افريقيا.

وهناك إلى جانب ذينك الدافعين دوافع أخرى منها مواجهة إيران وسوريا، وتعويض القواعد التي فقدتها الولايات المتحدة في مناطق أخرى من المنطقة بأخرى جديدة في العراق، وهناك دافع آخر - وليس الأقل أهمية في هذا السياق- وهو حماية إسرائيل عند اللزوم. هذه هي الدوافع لاستمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق، وهي ذاتها الدوافع التي جعلت الولايات المتحدة تقدم أصلاً على غزو ذلك البلد منذ أربع سنوات ونيف. وإذا ما نظرنا إلى الأمر من هذا المنظور، فإننا سندرك أنه على رغم كل تلك الأحاديث عن تحقيق الاستقرار، والترويج للديمقراطية، فإن المشروع الأميركي في العراق يمثل بلا مراء مشروعاً كولونيالياً جديداً، أو مشروعاً إمبريالياً، مثل ذلك الذي عانت منه المنطقة على أيدي بريطانيا وفرنسا في مرحلة سابقة.

والحق أن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، وهو من كبار المنتقدين لإدارة بوش، كان بصيراً، عندما قال في الثالث من فبراير 2006: «هناك أناس في واشنطن لا ينوون مطلقاً سحب القوات العسكرية من العراق، بل يتطلعون إلى بقاء تلك القوات لعشر سنوات أو عشرين سنة أو ثلاثين سنة مستقبلاً... إن السبب الذي من أجله ذهبنا إلى العراق هو إقامة قاعدة عسكرية دائمة في الشرق الأوسط... علماً بأنني لم أسمع على الإطلاق من بين قادتنا العسكريين من يقول إنه سيلتزم أمام الشعب العراقي بأنه خلال عشر سنوات من الآن، لن تكون هناك قواعد عسكرية للولايات المتحدة في بلاد الرافدين» .

ولكن هل تلك الطموحات الأميركية واقعية.. أم أنها ستراكم المشكلات للولايات المتحدة، وتفاقم من سوء علاقاتها التي وصلت إلى حالة مزرية مع معظم العالم العربي والإسلامي؟ مما يذكر في هذا السياق أن الجنرال «أنتوني زيني» القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قد وصف فكرة إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق بأنها «فكرة غبية، كما أنه من الواضح أنها غير مقبولة سياسياً، لأنها ستشوه صورتنا في المنطقة حيث سيعتقد الناس هناك أن ذلك كان هو غرضنا منذ البداية» .

في بواكير عام 2004، شجبت «جيسكا ماثيوس» رئيسة «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي» فكرة إقامة قواعد دائمة في العراق ووصفتها بأنها فكرة «سيئة بدرجة كارثية» لأنها «تؤكد شكوك العراقيين حول كون الولايات المتحدة شنت الحرب من أجل وضع يدها على نفطهم، والسيطرة على المنطقة، وإقامة حكومة من الدمى في العراق».

وعلى رغم كل ذلك فإن عملية بناء القواعد العسكرية الأميركية في العراق تمضي على نحو حثيث، وبتكلفة تزيد على مليار دولار في العام. وخلال السنوات التي انقضت منذ وقوع الغزو، كانت هناك تقارير صحفية عديدة عن القواعد هائلة الحجم التي بنتها الولايات المتحدة في العراق والتي تواصل توسيعها. فهناك قاعدة «بلد» الضخمة التي تقع على مساحة 14 ميلاً مربعاً وتبعد 40 ميلاً إلى الشمال عن بغداد، وكانت تشغلها سابقاً الكلية الجوية العراقية. وهناك قاعدة أكثر ضخامة هي قاعدة «الأسد» التي تقع على مساحة 19 ميلاً مربعاً، وهناك قاعدة «الطليل» وقاعدة «الصقر» وقاعدة «القيارة» في الشمال -والكثير غيرها.

عقب غزوها للعراق بفترة قصيرة، أقامت الولايات المتحدة 110 قواعد هناك.. وعلى ما يبدو أن الخطة الحالية تهدف إلى تعزيز القواعد الأربع عشرة «الدائمة» التي تقع في كردستان العراق، وفي مطار بغداد، ومحافظة الأنبار، وفي المداخل الجنوبية للعاصمة بغداد.

كما أن بناء سفارة أميركية قادرة على استيعاب 1000 موظف، وتقام على مساحة 100 فدان على ضفاف نهر دجلة -لتصبح أكبر سفارة أميركية في العالم- لا يشير إلى فك اشتباك أميركي مبكر مع العراق.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)