عندما قررت سوريا فرض حصار بري على لبنان، لم تكن ترد فقط على حملة معادية تعرضت لها من قبل غالبية اللبنانيين في الاشهر القليلة الماضية، بل كانت ترد ايضا على الحملة الاميركية والفرنسية التي استهدفتها في الفترة ذاتها.. وهي بلا شك تتوقع ان تستثمر الخطوة في المجالين اللبناني والدولي على حد سواء.

الانباء الواردة من وراء الحدود توحي بان دمشق فرضت الحصار من اجل التأثير على تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة وعلى صياغة بيانها الوزاري، لانها تخشى ان يجنح لبنان الخارج حديثا من تحت الوصاية السورية نحو الاندماج في الخطط والمشاريع الدولية المعادية، وصولا ربما الى الانخراط في مفاوضات ثم في معاهدة سلام منفردة مع اسرائيل.

اذا صحت هذه الانباء، وهي على الارجح صحيحة، فانها تعبر عن اساءة مزدوجة للبنان الذي علمته التجارب المريرة انه لا يستطيع ان يكون معاديا لسوريا ولا يتمتع بالامكانات لكي يعمل ضدها، حتى اذا رغب بذلك بعض ابنائه.. وهي رغبة مشكوك بوجودها، واذا وجدت فانها لا تقدر على مواجهة الغالبية اللبنانية الساحقة التي تريد افضل العلاقات بين الشقيقين، كما لا تستطيع ان تقف في وجه حلفاء دمشق وشركائها اللبنانيين الاقوياء.

اما الخشية السورية الضمنية، التي يعكسها الحصار، من ان يعمد لبنان الى التفرد بالذهاب الى طاولة مفاوضات مع اسرائيل، فانها تمثل اهانة كبرى للغالبية اللبنانية الساحقة التي قاتلت العدو الاسرائيلي حتى قبل ان تتلقى الدعم من دمشق، والتي كانت ولا تزال تعارض تلازم المسارين، لان لبنان ليس جاهزا وليس راغبا طبعا في الذهاب الى معاهدة سلام مع اسرائيل حتى تحت المظلة السورية..

اقصى ما يمكن ان يشكله لبنان من خطر على سوريا هو ان ينجح النموذج اللبناني للاصلاح والتغيير، برعاية دولية لا تزال ضعيفة ومترددة، وهو امر يحتاج الى وقت طويل وما زال بامكان دمشق ان تنافسه او حتى ان تحققه قبل بيروت.. وعندها تنتفي الحاجة الى الحصار البري او البحري، وتستقيم العلاقة بين الدولتين والشعبين، وتستبعد فرص التدخل الدولي بينهما. لكن يبدو ان هذا التدخل الدولي صار حتميا، سواء باستغاثة من بيروت او بطلب من دمشق نفسها.. لان لبنان ليس مؤهلا الان ولا في المستقبل المنظور لفك الحصار، ولان الوسيط العربي المفترض ليس متوافرا وليس مرغوبا ايضا من قبل الجانبين اللبناني والسوري، ولان الازمة الحدودية اتخذت من اللحظة الاولى صفة ازمة بين دولتين لا تحل بمعزل عن الشرعية الدولية. وبهذا المعنى، يمكن التكهن بان سوريا لن تفك الحصار عن لبنان قبل ان يفك الحصار الدولي عليها، الذي لم يفرض لاعتبارات لبنانية فقط ...

مصادر
السفير (لبنان)