أطلق هنري كيسنجر جملته الشهيرة عن إسرائيل. قال: لا تملك إسرائيل سياسة خارجية، إنها تملك سياسة داخلية فقط.

واليوم .... تقوم إسرائيل بشن حرب نظامية ضد قطاع غزة. نعم. حرب نظامية تشارك فيها القوات البرية، والمدفعية، والدبابات، والطائرات، والسفن الحربية، وهي تقول إن سبب هذه الحرب هو: صواريخ القسام، وتصفية ضابط مخابرات إسرائيلي بعد اختطافه. هل يمكن تصور أن دولة تشن حربا نظامية ردا على انفجار صاروخ بدائي، أو ردا على مقتل شخص؟ لا بد من سبب آخر لهذه الهجمة الخارجية العنيفة، والسبب حسب كيسنجر هو في سياسة إسرائيل الداخلية، وعنوانها الأساسي تلك الحرب الدائرة بين آرييل شارون وبنيامين نتنياهو حول زعامة حزب الليكود، وحول من سيقود الحزب في الانتخابات المقبلة، وحول من سيحكم إسرائيل مجددا، وحول المخطط السياسي الذي سينفذه. إنها معركة داخلية بامتياز، بدا فيها شارون معتدلا فخسر أصوات المتطرفين، وهو يسعى، بعد الانسحاب من غزة، إلى أن يبدو متطرفا من جديد حتى يستعيد الأصوات التي خسرها. أما عناوين هذا التطرف الشاروني المفيد داخليا، فهو شن الحرب على قطاع غزة، وقصفه بالطائرات والمدفعية، ثم يجري بعد ذلك عد الأصوات في مركز قيادة الليكود، حيث فاز شارون بفارق 104 أصوات فقط (4%)، بينما بقي نتنياهو شبحا يهدد زعامته في أوساط أعضاء الليكود العاديين.

وقد غطت أصوات المدافع الموجهة نحو قطاع غزة، على الجانب الآخر من المخطط الداخلي الشاروني، وهو الجانب الذي يتعلق بالضفة الغربية والانتخابات الفلسطينية، فهو يريد سلفا شل المقاومة الفلسطينية للاحتلال التي يمكن أن تنطلق من الضفة الغربية، وهو يريد حتى أن يكون شريكا في الانتخابات الفلسطينية، البلدية منها والتشريعية، فيمنع مشاركة حركة حماس فيها، ولذلك لجأ إلى تنظيم حملة اعتقالات واسعة ضد مرشحي حركة حماس للانتخابات (تجاوز الرقم 400 معتقل)، كما لجأ إلى إغلاق الجمعيات الخيرية التي تعمل على مساعدة السكان في ظل حالة الفقر والبطالة التي تسيطر على المجتمع الفلسطيني بسبب حالة الاحتلال. والهدف من كل هذه الإجراءات، أن يتم من جديد، تتويج شارون كرجل متطرف، حتى يتمكن من كسب أصوات الليكوديين المتطرفين الذين رفضوا خطته للانسحاب من غزة. ولكن حتى حين يكون شارون رجل سياسة داخليا، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من شخصية «القبضاي» الذي يلوح بسلاحه دائما ليخيف كل من يراه. لقد نشأ ونما وشاخ وهو يؤمن بالعنف وسيلة وحيدة لحل المشاكل. تسيطر على تفكيره دائما الحلول الأمنية والحلول العسكرية، وحتى وهو يتسلم أعلى منصب سياسي في إسرائيل، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من انجذابه نحو الحلول الأمنية والعسكرية، ونجده لذلك حريصا على اختيار مساعديه من ذلك النوع من الرجال المحدودي التفكير، والذين يرتاحون للعنف والقتل حلا للمشاكل التي تواجههم، ويقف شاؤول موفاز وزير الدفاع في مقدمة اولئك المساعدين، فهو يخاطب جنوده (قبل الانسحاب من غزة) قائلا: اضربوا الفلسطينيين بغير رحمة. وهو يخاطب قادة حركة حماس (بعد الانسحاب من غزة) قائلا: سأرسلكم إلى حيث يرقد أحمد ياسين والرنتيسي. وهو يعلن بعد التزام حماس بعدم إطلاق الصواريخ من غزة، أنه هو وليس حماس من يقرر مسار المعركة، ويبدأ بعد ذلك فورا في قصف غزة بالمدفعية. إنه نموذج للضابط المحدود الأفق، والذي يكثر أمثاله داخل الجيوش، والذين قال عنهم ونستون تشرشل: إن الحرب أعقد من أن نترك أمرها في أيدي العسكريين.

ولكن مشكلة موفاز أنه نسخة طبق الأصل عن رئيسه شارون. ولشارون تاريخ شخصي مع قطاع غزة لا يستطيع أن ينساه، فقد قضى حياته وهو يتطلع إلى السيطرة على قطاع غزة وتطويعه وفشل في هذه المهمة دائما.

في الخمسينات نفذ مذبحة في غزة كان الهدف الوحيد منها إهانة الجيش المصري، ولكن الجيش المصري رد متحالفا مع أهالي غزة، بتنظيم حملة فدائية أتعبت إسرائيل في ذلك الحين طويلا، وكان الفدائيون يدخلون من قطاع غزة إلى إسرائيل ويخرجون عن طريق الأردن. كذلك رد الجيش المصري بكسر احتكار السلاح، واشترى السلاح من المعسكر الشرقي، في صفقة شهيرة قلبت موازين القوى في المنطقة.

وفي السبعينات، كان قطاع غزة رغم احتلاله تحت سيطرة الفدائيين، وتم إيكال مهمة القضاء على الفدائيين إلى الضابط العميد آرييل شارون. بدأ شارون بهدم بيوت اللاجئين في غزة، هدم 1011 في مخيم جباليا، وهدم 598 منزلا في مخيم الشاطىء، وهدم 400 منزل في مخيم رفح. كان يريد هدم البيوت من أجل توسيع الطرق، وحتى تتمكن مصفحات الجيش الإسرائيلي من الدخول إلى قلب المخيمات والسيطرة عليها. وأنشأ في الوقت نفسه فرقة للاغتيال والقتل حملت اسم (دورية اللغم)، وقامت هذه الدورية بملاحقة العشرات واغتيالهم. وبرزت في ذلك الحين ظاهرة اكتشاف جثث منتشرة في الأراضي الزراعية، هي جثث المواطنين الذين كانوا يموتون تحت التعذيب. واعترفت الصحافة الإسرائيلية في شهر كانون الأول/ديسمبر 1970 أن عدد الجثث المكتشفة زاد على مائة جثة. كل هذا وغيره كثير، فعله شارون في قطاع غزة، وبعقلية الضابط المحدود التفكير الذي لا يرى من وسيلة لمواجهة المشاكل سوى الوسيلة العسكرية. ولكن غزة فاجأت شارون بعد سنوات بأنها كانت البلد الذي فجر الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال.

أما شارون الكهل، والذي اصبح رئيسا للوزراء، فقد واجه كابوس غزة من جديد بعد انتفاضة العام 2000، وانتهى به الأمر إلى الانسحاب منها وتفكيك مستوطناتها، بعد أن نكل بها تنكيلا شديدا، وبعد أن اغتال من نشطائها الكثيرين من دون أن يتمكن من السيطرة عليها. وتكاثرت جرائمه إلى حد استدعائه للمحاكمة كمجرم حرب في بلجيكا، واقتضى الأمر أن تتدخل الدول، وأن يتم تغيير القوانين، من أجل حمايته. إنه تاريخ طويل لا ينساه شارون، وهو يملأه دائما بالمرارة، ولكنه لا يتعلم منه أبدا، وها هو يتابع من خلال تلميذه «القبضاي» موفاز، تنفيذ السياسة الفاشلة نفسها.

إن هذا الذي يمارسه شارون في قطاع غزة أولا وفي الضفة الغربية ثانيا، هو نهج لا يبشر إلا بالدم، وإذا كان شارون يتطلع الآن إلى وقف إطلاق الصواريخ من غزة، فإن الصواريخ نفسها ستنطلق من الضفة الغربية. ولكن الغريب في كل هذا إن شارون الذي يدعي أنه يحارب حماس، يحارب السلطة الفلسطينية في الوقت نفسه، فهو يتصرف وكأنها غير موجودة، وهو يريد حتى أن يتحكم بانتخاباتها. إنه يرفض الاجتماع مع رئيس السلطة، الذي سيتوجه بعد ثلاثة أسابيع إلى واشنطن للاجتماع مع الرئيس جورج بوش، فماذا سيقول له؟ إن الطريق السياسي يبدو مغلقا هو الآخر، والكلام السهل الذي يقول: اقضوا على الإرهاب أولا ثم نتفاوض، لم تعد له مصداقية على أرض الواقع، وإذا تكرر الكلام نفسه في اللقاء الجديد مع بوش، فإن العنف سيخيم على المنطقة من جديد، ولن تنفع آنئذ لا الوساطات المصرية، ولا دعوات المؤتمر الدولي، فثمة خلل كبير ينبع من المصدر الأميركي، ويشرب منه شارون كل صباح، ومن شأن هذا الخلل أن يفجر الأوضاع في مناطق أخرى، وهو احتمال قادم لا يريد أن يراه الكثيرون من الزعماء العرب.

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)