سوريا تعيش هاجس محاصرتها من لبنان وأقفلت حدودها بعدما اجتاح الاميركي الداخل اللبناني «خشبة المصنع» سياسيّة ومرتبطة بشؤون المستقبل أكثر من شجون الماضي يخطئ من يعتقد ان الخشبة التي أقفلت منافذ العبور بين لبنان وسوريا، هي أمنية فقط، استوجبتها التدابير الاحترازيّة. أو تنظيميّة، بررتها اجراءات ادارية جديدة.. انها سياسيّة بامتياز، وتتعلق بشؤون المستقبل قبل ان تتصل بشجون الماضي القريب، وما رافق الخروج السوري من حملات سياسيّة وإعلاميّة، استُغلت على نطاق واسع في الحملات الانتخابية، هذا فضلا عن النتائج التي أسفرت عنها هذه الانتخابات، وابرزها على الاطلاق، المضي قدما، من قبل بعض حلفاء الامس، بمسيرة الطلاق السياسي اولا... والبقية تأتي؟!

طبيعة المعالجة تدلّ على عمق الأزمة. لم يبادر رئيس الجمهورية الى القيام بزيارة سريعة الى دمشق ليثير الموضوع مع نظيره الدكتور بشّار الاسد، ويأتي بالحل الفوري، ويؤكد للقاصي والداني، ان العلاقة بين البلدين اقوى من النصوص والمعاهدات، وانها علاقة مصيريّة تحتمها المصالح الحيويّة المشتركة. قام على الارجح رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي بمحاولات الحد الادنى، رغم ان إحدى الجهات المتابعة تقول بانه وظفّ بعضا من صداقته لإيجاد حلّ لهذه المشكلة، الاّ ان النتائج العمليّة المتوخاة لم تظهر على أرض الواقع بعد.

اما الرئيس فؤاد السنيورة، فينوي كما تفيد جهات مقرّبة منه القيام بزيارة الى العاصمة السوريّة، بعيد الانتهاء من تشكيل حكومته، ونيلها الثقة من المجلس النيابي، وهو سيبدأ تحركه الخارجي من دمشق، ولكن حتى هذه الزيارة لا تزال غير مضمونة، بدليل ان هناك من يتحدث عن تأشيرة دخول لا بدّ منها، ولا يمكن تأمينها إلاّ عن طريق الحكومة الجديدة، والشخصيات التي ستضمها، وبرنامجها السياسي والاقتصادي... هذا يعني ان هناك واقعا جديدا مأزوما بدأ يتفاعل على الحدود اللبنانية السورية المشتركة، هو انعكاس تلقائي للواقع الجديد المأزوم سياسيّا، وعلى قاعدة إذا كان لبنان لا يحكم من دمشق، فإنه لا يحكم أيضا على خلفية العداء لدمشق، وبالتالي فإن المسار السياسي الذي خطّط له القرار 1559، قد أخذ الجميعَ الى مناح أخرى، خصوصا أن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، جاءت لتذكيّ هذا المسار بصورة عفوية، تلقائية، مع اندفاع المشاعر، وموجات الانفعال، والحملات الاعلاميّة والسياسيّة التي اطبقت على المشهد السياسي الداخلي بالكامل. ثم جاءت الانتخابات النيابية لتنتقم من وجوه سياسيّة بارزة عُرفت بصداقاتها لسوريا، وبعدها مباشرة حصلت انتخابات لرئاسة المجلس، فلم يأت “خطاب الجلوس” على ذكر سوريا بكلمة واحدة، لا تنويهاً، ولا انتقادا، وكانت على الاثر محاولات تشكيل الحكومة الجديدة، التي اصطدمت قبل نضوجها بوضع حدودي مأزوم قد يبدّل سلّم الاولويات والاهتمامات المبرمجة وفق مندرجات الاجندة الاميركيّة الدوليّة في لبنان!

يرى بعض الملميّن بعصب العلاقات اللبنانية السورية، أن بإمكان الرئيس إميل لحود أن يفعل الكثير على هذا الصعيد، ان هو تحرّك، وقام بالمبادرة، الاّ أنه لن يفعل ربما لاعتبارات عدّة أولها انه لن يوفر اي حجة، او مناسبة، لخصومه السياسييّن الجدد للانقضاض عليه تجريحا وانتقادا، ان هو بادر لاستغلال بعض ما يملك من رصيد صداقة، مع القيادة السوريّة، لمعالجة الأزمة الناشئة، خشية ان تؤدي مبادرته الى المزيد من التصعيد، والتأزيم، لتوظيفه في المعركة المفتوحة ضدّه، والهادفة الى اقصائه، وتقصير مدّة ولايته.

أما ثاني هذه الاعتبارات ودائما استنادا الى هذه المصادر فإن الرئيس لحود يعيش جوّا من المقاطعة الحقيقيّة من غالبية من جاءت بهم الانتخابات النيابيّة الى مواقع السلطة، ومراكز القرار، وكأن هناك قرارا ملزما على هذا الصعيد، أو توجها سياسيّا هادفا الى حشر الرئاسة الاولى أمام خيارين، أحلاهما مرّ: إما الاستقالة، أو التهميش، في حين أن لا الاستقالة واردة عند الرئيس العماد، ولا التهميش ايضا، وهذا “الكباش” الذي نشأ على خلفية التحدي، و“الغاء الآخر” قبل الانتخابات النيابيّة، وتأزم خلالها، واحتدم بعدها مع البدء بتشكيل الحكومة الجديدة، أدى تلقائيّا الى صرف الانظار عن ازمات وتحديات كثيرة طالما ان المعركة محتدمة، ومن زاوية كل طرف، على خلفيّة “نكون او لا نكون؟!”.

وهذا ما يسري اليوم على التشكيلة الحكومية حيث يتوسع بعض الاطراف في القول بأن الرئيس لن يكون هذه المرّة متسامحا، او رئيس جمعيّة خيريّة يوقع على بياض، بل سيستعمل حقه الدستوري كاملا وفق الصلاحيات المنصوص عنها في المادة 53 من الدستور طالما ان التعاطي معه يتم على خلفية التهميش، او وضعه أمام الامر الواقع، فإما يستجيب تلقائيّا الى ما يعرض عليه، او يتحمل النتائج باعتبار أنه سيكون عرضة لتصويب سياسي وإعلامي من العيار الثقيل لدفعه الى الاستقالة!

أبعد ما هو ظاهر من هذه الأكمة، هناك جبل الجليد الغارق في محيط من الملفات العالقة بين لبنان وسوريا، والتي تتعدى الاجواء السياسيّة التعبويّة، وطبيعة التحالفات السياسيّة القائمة، لتتناول شكل الحكومة، وحجمها، ولونها السياسي، ونوعية العناصر التي ستنضوي تحت لوائها لتدخل جنة الحكم، فضلا عن البيان الوزاري، والاولويات التي سيركز عليها، وهل هي لبنانيّة قح، و“صنع في لبنان”، أم خارجيّة مستوردة من الولايات المتحدة الاميركيّة، وفرنسا، والاتحاد الاوروبي، ومجلس الامن؟

تأتي في طليعة هذه الاولويات: العلاقة اللبنانية السورية، وكيف يجب إرساؤها بعد انتهاء عصر الرعاية السوريّة، ووفق أي أسس وقواعد؟ خصوصا بعدما أكدت أزمة الحدود أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن “الأخوّة، والتعاون، والتنسيق؟!”. يقول بعض المتابعين ان فتح هذا الملف قد تأخر جدّا، وإن البحث كان يجب ان ينطلق فور مغادرة آخر جندي سوري الاراضي اللبنانيّة، على أن يشمل قانون الانتخاب، وطبيعة التحالفات الانتخابيّة، وتركيبة اللوائح... ودائما على قاعدة «ان لبنان لا يُحكم من دمشق، ولكن لا يُحكم بمعزل عنها... فكيف إذا كان ما هو ساري المفعول قائما على سياسة عدائيّة، أو كيديّة في أحسن الاحوال، وفي أبسط الظروف والمناسبات؟!».

إن المشكلة القائمة ليست مشكلة “نصوص، بل نفوس”، وليست وليدة نقص في الاتفاقيات، بقدر ما هي وليدة شعور عارم بأن الاميركي يحاول محاصرة سوريا من لبنان أيضا، وبأن الخشبة هو الذي اسقطها على الحدود من خلال الحدود الكثيرة التي فتحها على الداخل اللبناني، بدءا بقرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559، وصولا الى التوأم، القرار 1595، ثم الى الانتخابات فورا، وضمن المهل الدستوريّة، وبمن حضر، ثم التركيبة الحكوميّة وما يرافقها، وغداً البيان الوزاري، وبعده اسلوب التعاطي مع الملفات الساخنة بعد ترتيبها وإعدادها بما يتوافق والأولويات الاميركيّة؟!

وثمة من يسأل: اذا كان كل هذا يجري في وضح النهار، وتحت أبصار ومسامع من هم في المسؤوليّة، او من يستعدون للإمساك بزمامها، فماذا يبقى للعلاقات الممتازة والمميزة بين لبنان وسوريا؟ أيّ مساحة؟ لا بل أي امكانيات؟ وهل المطلوب ان تمر هذه العلاقة وفق القنوات التي يرسمها الاميركي؟ او وفق المواصفات التي يحددها، وما هو مسموح، وما هو غير مسموح، كي تكون ممتازة ومميّزة؟ ام يفترض ان تبقى في اطار الاخوة والتنسيق والتعاون، وتنطلق من المصالح المشتركة، وتهدف الى صون هذه المصالح وحمايتها؟!

هناك أجوبة كثيرة عند فريق واسع من اللبنانييّن عن كلّ هذا، بعضها مبرّر، والبعض الآخر «بحاجة الى اعادة تأهيل». إلاّ أن هناك سؤالا لم تنضج الظروف السياسيّة لتوفير اجابة حاسمة على مضامينه: هل بدأ لبنان عملية فك ارتباط مع مثلث الصمود ببعديه السوري الايراني، ليدخل في محور اقليمي آخر من إعداد وإخراج الاميركي تحت شعار: الاصلاح، والتغيير، والديموقراطيّة، وحقوق الانسان... فالمساعدات؟!

مصادر
السفير (لبنان)