شبكة فولتير
(2/25) أمام أعيننا

الإخوان المسلمون ك قتلة

نواصل نشر كتاب تييري ميسان، " أمام أعيننا Sous nos yeux". في هذه الحلقة، يصف الكاتب كيف تم إنشاء جماعة سرية مصرية، الإخوان المسلمين، ثم إعادة خلقها من جديد بعد الحرب العالمية الثانية من قبل المخابرات البريطانية. وأخيراً، استخدام هذه المجموعة من قبل المخابرات البريطانية MI6 لتنفيذ الاغتيالات السياسية في تلك المستعمرة السابقة للتاج.

| دمشق (سوريا)
+

هذا المقال مقتطف من كتاب أمام أعيننا. انظر جدول المحتويات.

JPEG - 31 كيلوبايت
حسن البنا مؤسس الجمعية السرية لجماعة الإخوان المسلمين. لا نعرف سوى القليل عن أسرته، باستثناء أنهم كانوا يصنعون الساعات؛ وهي مهنة مقتصرة على الجالية اليهودية في مصر.

"ثورات الربيع العربي" كما عاشها الإخوان المسلمون

في عام 1951، شكلت المخابرات الانكليزية MI6 جمعية سياسية سرية، من منظمة قديمة كانت تحمل نفس الاسم : الإخوان المسلمين. تم استخدامها مراراً وتكراراً لاغتيال الشخصيات التي كانت تقاومهم، ثم منذ عام 1979 تحولوا إلى مرتزقة ضد السوفييت. ثم أُدرجت الجماعة في بداية التسعينات، ضمن حلف شمال الأطلسي، وفي سنة 2010 جرت محاولة لإيصالهم إلى السلطة في بعض الدول العربية.
يصل تمويل جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة النقشبندية الصوفية إلى 80 مليار دولار على الأقل سنوياً من قبل الأسرة الحاكمة في السعودية، مما يجعلها واحدة من أكبر الجيوش في العالم. جميع "القادة الجهاديين"، بمن فيهم قادة داعش، ينتمون إلى هذا الجهاز العسكري.

الإخوان المسلمون في مصر

اختفت أربع إمبراطوريات خلال الحرب العالمية الأولى: الرايخ الألماني، الإمبراطورية النمساوية المجرية، روسيا القيصرية، والباب العالي العثماني.

كان الفائزون في هذه الحرب يفتقرون تماماً إلى الرصانة، ففرضوا شروطهم المجحفة على المهزومين.

هكذا في أوروبا، حددت معاهدة فرساي شروطاً غير مقبولة لألمانيا، بجعلها المسؤولة الوحيدة عن النزاع. وفي الشرق، مرَ تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية بشكل سيء:

خوًل مؤتمر سان ريمو (1920)، وفقاً لاتفاقيات سايكس- بيكو السرية (1916)، المملكة المتحدة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في حين أطلق يد فرنسا في استعمار سورية (بما في ذلك لبنان حالياً).

مع ذلك، قام مصطفى كمال، على ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، بالتمرد ضد كل من السلطان الذي خسر الحرب، والغربيين الذين استولوا على بلاده.

تم تفتيت الخلافة العثمانية في مؤتمر سيفر (1920)، إلى قطع صغيرة لخلق عدة دول جديدة، من ضمنها إقليم كردستان. مما أدى إلى انتفاض سكان تركيا-المنغولية، في تيراس، والأناضول ورفع كمال إلى قمة السلطة.

وفي نهاية المطاف، تم ترسيم الحدود الحالية في مؤتمر لوزان (1923) والتخلي عن فكرة دولة كردستان، وتنظيم عمليات ترحيل (ترانسفير) ضخمة للسكان، أسفرت عن أكثر من نصف مليون حالة وفاة.

لكن، وكما حصل في ألمانيا حين اعترض أدولف هتلر على مصير بلاده، نهض في الشرق الأوسط أيضاً، رجل ضد التقسيم الجديد للمنطقة، فأسس معلم مدرسة مصري حركة سياسية لإحياء الخلافة الإسلامية التي هزمها الغربيون.

هذا الرجل هو حسن البنا، وهذه المنظمة، هي الإخوان المسلمون (1928).

الخليفة، من حيث المبدأ هو خليفة النبي، الذي يدين له الجميع بالطاعة، وهو لقب مرغوب.

تتالت عدة أنساب كبرى من الخلفاء المتعاقبين: الأمويون، العباسيون، الفاطميون والعثمانيون، وصار لزاماً أن يكون الخليفة المقبل، الذي سوف يستحوذ على هذا اللقب، وهو بالأحرى "المرشد العام" للجماعة، أن يصبح سيد العالم الإسلامي أيضاً.

انتشرت هذه الجمعية السرية بسرعة مذهلة. كانت تنوي العمل من داخل النظام لاستعادة المؤسسات الإسلامية. كما كان يتوجب على المنتسبين أن يٌقسموا على القرآن، والسيف، أو البندقية، بالولاء لمؤسس الجماعة.

هدف الجماعة هو سياسي بحت، حتى لو عبرت عنه بمصطلحات دينية. لم يصادف أن تحدث حسن البنا، أو خلفاؤه عن الإسلام كدين، أو أثاروا الجوانب الروحانية الإسلامية. بالنسبة لهم الإسلام هو عقيدة، خضوع لله، وممارسة للسلطة.

ومن المؤكد أن المصريين الذين يؤيدون جماعة الإخوان، لا ينظرون إلى الأمر على هذا النحو.

بالنسبة لحسن البنا، لا تقاس شرعية حكومة ما، تبعاً لتمثيلها للشعب كما هي الحال في الحكومات الغربية، ولكن حسب قدرتها على الدفاع عن " منهج الحياة الإسلامية"، هذا يعني مصر العثمانية في القرن التاسع عشر.

لم يفكر الإخوان أبدا في أن الإسلام لديه تاريخ، وأن أسلوب حياة المسلمين يختلف اختلافاً كبيراً تبعاً للمناطق والعصور. و لم يروا يوماً أن النبي قام بثورة في المجتمع البدوي الذي عاش فيه. وأن طريقة الحياة التي وصفت في القرآن، ليست سوى مرحلة محددة وٌضعت لهؤلاء الناس.

بالنسبة لهم، فإن القواعد الجزائية في القرآن – أي الشريعة- لا تتوافق مع حالة معينة، لكنها تحدد القوانين الثابتة، التي يمكن أن ترتكز عليها السلطة.

حقيقةَ أن أسلوب الحياة الإسلامية كان في كثير من الأحيان يٌفرض بحد السيف، برًرَ لجماعة الإخوان استخدام القوة.

لم يعترف الإخوان مطلقاً أن الإسلام انتشر أيضاً عن طريق المٌثل العليا.

لكن هذا لم يمنع البنا والإخوان من خوض الانتخابات السياسية، و خسارتها.

وإذا كانوا ينددون بالأحزاب السياسية، فهذا ليس من منطلق اعتراضهم على مبدأ التعددية الحزبية، بل لأن عملية فصل الدين عن السياسة، أوقعتهم في الفساد.

عقيدة الإخوان المسلمين، هي أيديولوجيا "الإسلام السياسي" ما يعبر عنه بالفرنسية ب"الإسلاموية Islamisme". كلمة من شأنها أن تثير جام غضبهم.

كتب حسن البنا في عام 1936، لرئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا مطالباً ب˸
- إصلاح التشريعات، وتوحيد جميع المحاكم تحت ظلال الشريعة الإسلامية.
- التجنيد في الجيش عبر إنشاء تطوع تحت راية الجهاد.
- الاتصال مع الدول الإسلامية والإعداد لاستعادة الخلافة، تطبيقاً للوحدة التي يتطلبها الإسلام.

ثم أعلنت الجماعة خلال الحرب العالمية الثانية وقوفها على الحياد. لأنًها في الواقع، كانت قد تحولت إلى مجرد جهاز مخابرات لصالح الرايخ. لكنًها مع دخول الولايات المتحدة في الحرب، وانقلاب موازين القوى، انخرطت في لعبة مزدوجة، وبدأت تتلقى الأموال من البريطانيين، مقابل تقديم المعلومات الخاصة عن مشغلهم الأساسي. وبذلك، كشف الإخوان عن غياب تام للمبادئ لديهم، وانتهازية سياسية مطلقة.

جرًب الأخوان حظهم في 24 شباط-فبراير عام 1945، بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري في خضم انعقاد جلسة برلمانية، نجم عنها تصعيد لأعمال العنف : حملة قمع ضدهم، وسلسلة من الاغتيالات السياسية شملت رئيس الوزراء الجديد يوم 28 ديسمبر عام 1948، في رد معاًكس على حسن البنا نفسه، في 12 فبراير 1949.

وبعد فترة وجيزة، أٌنشئت محكمة بموجب الأحكام العرفية، أدانت غالبية الأخوان بالحكم عليهم بالسجن، وحَلٌ جمعيتهم.

لم تكن هذه المنظمة السرية، من أساسها، أكثر من مجرد عصابة من القَتَلة، تطمح للاستيلاء على السلطة، من خلال إخفاء أطماعها بالاختباء وراء القرآن. كان يفترض أن يقف تاريخها عند هذا الحد. لكن شيئاً من ذلك لم يحصل؟

إعادة بناء جماعة الأخوان من قبل الأنغلوسكسون والسلام المنفصل مع إسرائيل

أثارت قدرة الإخوان على حشد الناس وتحويلهم إلى قتلة، انتباه القوى العظمى.

JPEG - 29.2 كيلوبايت
وعلى عكس نفيه، كان السيد قطب ماسونياً. نشر مقالًا بعنوان "لماذا أصبحت ماسونياً" ، نُشر في مجلة التاج المصري، في 23 نيسان-أبريل 1943.

وبعد عامين ونصف العام من انحلالها، قام البريطانيون بتشكيل منظمة جديدة من خلال إعادة استخدام تسمية "الإخوان المسلمين"، مستفيدين من سجن قادتهم التاريخيين، وانتخاب القاضي السابق حسن الحديبي مرشداً عاماً.

وخلافاً للفكرة السائدة، لم يكن هناك أية استمرارية تاريخية بين التنظيم القديم والجديد.

تبين أيضاً أن وحدة سرية تابعة للتنظيم القديم، " الجهاز السري"، كانت مكلفة من قبل حسن البنا بارتكاب هجمات، لكنه كان ينفى أي صلة له معها. كانت هذه المنظمة سريًة جداً داخل المنظمة نفسها، بحيث لم تتأثر بحل جماعة الإخوان المسلمين، وبقيت تحت تصرف الخليفة الجديد.

لكن المرشد الجديد قرر النأي بنفسه عنها، وأعلن عن رغبته في تحقيق أهدافه بالطرق السلمية.

من الصعب تحديد ما حدث بالضبط في ذلك الوقت بين الإنكليز، الذين يريدون إعادة إنشاء التنظيم السري القديم، والمرشد الذي كان يظن أنًه بصدد استعادة الحضور في أوساط الجماهير.

في كل الأحوال، استمر الجهاز السري، وتلاشت سلطة المرشد لصالح قادة آخرين من جماعة الإخوان، ما فتح الباب لحرب داخلية حقيقية.

دسًت وكالة الاستخبارات المركزية CIA في إدارتهم سيد قطب، صاحب نظرية الجهاد، الذي سبق وأن أدانه المرشد قبل إبرام اتفاق مع المخابرات البريطانية MI6.

من المستحيل تحديد علاقات التبعية الداخلية بين هذا الفريق أو ذاك.

أولاً، لأنً كل فرع أجنبي له استقلاليته الخاصة، وثانياً لأن الوحدات السرية داخل المنظمة لم تعد تتبع بالضرورة، لا للمرشد العام، و لا للمرشد المحلي، بل في بعض الأحيان مباشرة لوكالة الاستخبارات المركزية CIA، والمخابرات البريطانية M16. وقد حاول البريطانيون خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، تنظيم العالم بطريقة تجعله بعيدا عن متناول السوفييت.

أطلق ونستون تشرشل في أيلول-سبتمبر 1946، في زيوريخ فكرة الولايات المتحدة الأوروبية، كما أطلق وفق نفس المبدأ، فكرة إنشاء جامعة الدول العربية. وفي كلتا الحالتين، كان الهدف هو توحيد المنطقة بعيدا عن روسيا.

قامت الولايات المتحدة، منذ بداية الحرب الباردة، بإنشاء جمعيات لدعم هذه الحركة لصالحها, على غرار اللجنة الأمريكية لأوروبا، والولايات المتحدة، وأصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط American Committee on United Europe et les American Friends of the Middle East [1]. ونظًمت وكالة الاستخبارات المركزية CIA في العالم العربي، انقلابين.

الأوَل لصالح الجنرال حسني الزعيم في دمشق (آذار-مارس 1949)، والثاني بواسطة "الضباط الأحرار" في القاهرة (تموز-يوليو 1952). كانوا يعتقدون أنهم يدعمون قوميين، يفترض أنهم معادون للشيوعية.

من هذا المنطلق، أتت واشنطن بالجنرال اس.اس. أوتو سكورزيني إلى مصر، وإلى إيران بالجنرال النازي فضل الله زاهدي، برفقة مئات من المسؤولين السابقين في الغستابو لقيادة النضال ضد الشيوعية..

للأسف قام سكورزيني Skorzeny بتشكيل الشرطة المصرية تبعاً لتقاليد العنف. واختار في عام 1963 وكالة الاستخبارات المركزية والموساد ضد ناصر.

أما زاهدي فقد أنشأ جهاز السافاك، الشرطة السياسية الأكثر وحشيةً في ذلك الحين.

إذا كان حسن البنا قد حدد الهدف- للوصول إلى السلطة من خلال التلاعب بالدين- فإن سيد قطب حدد الوسيلة: الجهاد. وبمجرد اعتراف التابعين بسمو القرآن، يصبح الاعتماد عليهم ممكناً لتنظيمهم ضمن جيش، وإرسالهم للقتال. لذلك، أسس سيد قطب نظرية مانوية تٌميز بين ما هو إسلامي، وما هو "ظلامي".

بالنسبة لوكالة الاستخبارات المركزية CIA والمخابرات البريطانية MI6، يسمح هذا الحشو الدماغي باستخدام التابعين للسيطرة على الحكومات القومية في العالم العربي، ثم زعزعة استقرار المناطق المسلمة في الاتحاد السوفييتي.

هكذا أصبحت جماعة الإخوان خزاناً لا ينضب من الإرهابيين تحت شعار: " الله غايتنا. الرسول قدوتنا. القرآن دستورنا. الجهاد سبيلنا. الشهادة أسمى أمانينا".

فكر سيد قطب عقلاني، لكنه ليس منطقياً. فهو ينشر خطابا لايتغير : الله / النبي / القرآن / الجهاد / الشهادة، بما لايدع أي فرصة للحوار. إنه يضع سمو منطقه الخاص، فوق سمو العقل البشري.

JPEG - 28.8 كيلوبايت
استقبال وفد من المجتمع السري من قبل الرئيس أيزنهاور في البيت الأبيض (23 أيلول-سبتمبر 1953).

نظمت وكالة الاستخبارات المركزية CIA ندوة في جامعة برينسيتون Princeton حول "أوضاع المسلمين في الاتحاد السوفييتي". كانت هذه فرصة لكي تستقبل الولايات المتحدة وفداً من جماعة الإخوان المسلمين برئاسة سعيد رمضان، أحد قادة جناحها العسكري.

أشار ضابط وكالة المخابرات المركزية، المكلف بمتابعة الوفد، في تقريره أن رمضان ليس متطرفا دينياً، لكنه أقرب إلى أن يكون فاشياً. وهي وسيلة للتأكيد على المزاج السياسي الخاص لجماعة الإخوان المسلمين.

اختتمت الندوة بحفل استقبال في البيت الأبيض بحضور الرئيس أيزنهاور في 23 أيلول-سبتمبر 1953. وتم على أثرها عقد التحالف بين واشنطن والجهاد العالمي.

JPEG - 27.5 كيلوبايت
(من اليسار إلى اليمين) حسن البنا يزف ابنته لسعيد رمضان، جاعلاً منه خليفة له. أنجب الزوجان هاني (مدير المركز الإسلامي في جنيف) وطارق رمضان (الذي سيكون أستاذ ذو كرسي في الدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة أكسفورد).

وكالة المخابرات المركزية، التي أعادت إنشاء الجماعة ضد الشيوعيين، استخدمتها أولاً لمساعدة القوميين. كانت الوكالة مُمثلةً في الشرق الأوسط، في ذلك الحين، من خلال مناهضي الصهيونية، المنحدرين من الطبقات الوسطى. لكن سرعان ما تم استبعادهم لصالح كبار المسؤولين من أصول أنغلوسكسونية وبروتستانتية، المتخرجين في جامعات كبرى، وموافقون على وجود إسرائيل.

دخلت واشنطن حينذاك في صراع مع القوميين، وقلبت وكالة الاستخبارات المركزية الإخوان ضدهم.

JPEG - 14.2 كيلوبايت
دم سعيد رمضان وعبد الله المودودي برنامجاً أسبوعيًا على راديو باكستان، وهي محطة أنشأها جهاز المخابرات البريطاني MI6.

قاد سعيد رمضان بعض المقاتلين من جماعة الإخوان المسلمين في الحرب المحدودة ضد إسرائيل عام 1948، بعد ذلك ساعد أبو العلا المودودي في باكستان على إنشاء منظمة شبه عسكرية من الجماعة الإسلامية. كان الهدف من وراء ذلك، تأسيس هوية إسلامية للمسلمين الهنود، كي يتمكنوا من تأسيس دولة جديدة هي باكستان.

قامت الجماعة الإسلامية أولاً بكتابة الدستور الباكستاني. وتزوج رمضان من ابنة حسن البنا، وأصبح قائد الجناح العسكري لجماعة "الإخوان المسلمين" الجدد.

شارك الأخوان أثناء وجودهم في مصر، في انقلاب الضباط الأحرار الذي قاده اللواء محمد نجيب – كان سيد قطب عنصر الاتصال بينهم- وكانوا مكلفين بمهمة تصفية أحد قادة الحركة، جمال عبد الناصر، بعد دخوله في صراع مع اللواء محمد نجيب.

لم يفشلوا في محاولتهم في 26 أكتوبر 1954 فحسب، بل تمكن جمال عبد الناصر من الاستيلاء على السلطة، وقمع الجماعة، ووضع اللواء محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية. وأعدم سيد قطب بعد سنوات قليلة .

لجأت جماعة الإخوان، بعد حظر تنظيمهم في مصر، إلى الدول الوهابية (المملكة العربية السعودية، قطر، وإمارة الشارقة) و في أوروبا (ألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وسويسرا المحايدة).

وفي كلِ مرة كان يجري استقبالهم كعملاء غربيين، يناضلون ضد التحالف الناشئ بين القوميين العرب والاتحاد السوفييتي.

حصل سعيد رمضان على جواز سفر دبلوماسي أردني، واستقر في جنيف عام 1958، حيث راح يشرف على زعزعة الاستقرار في القوقاز وآسيا الوسطى في كل من ( باكستان وأفغانستان، ووادي فرغانة السوفييتي). ثم ترأس لجنة الإشراف على بناء مسجد ميونيخ، مما مكنه من الإشراف تقريباً على المسلمين في أوروبا الغربية كلها.

وبمساعدة من اللجنة الأمريكية لتحرير شعوب روسيا (AmComLib) أي، وكالة الاستخبارات المركزية CIA، امتلك إذاعة أوروبا الحرة، وهي محطة ممولة مباشرة من الكونغرس الأمريكي لنشر فكر الإخوان المسلمين. [2]

قررت واشنطن، بعد أزمة قناة السويس وانتقال جمال عبد الناصر المذهل إلى الجانب السوفييتي، دعم الإخوان المسلمين بشكل لامحدود، ضد القوميين العرب.

اضطلع مسؤول كبير في وكالة الاستخبارات المركزية CIA، مايلز كوبلاند، من دون جدوى بمسؤولية انتقاء شخصية من جماعة الإخوان، يمكنها القيام بدور في العالم العربي، مماثل لدور القس بيلي غراهام Billy Graham في الولايات المتحدة. لكنه اضطر للانتظار حتى ثمانينات القرن العشرين، للعثور على واعظ بذلك المستوى، إنه المصري يوسف القرضاوي.

أقامت جماعة الإخوان عام 1961 ارتباطاً مع جمعية سرية أخرى، الطريقة النقشبندية المصنفة كنوع من الإسلام الماسوني، الذي يخلط بين التلقين الصوفي والسياسي.

نشر أحد منظريها الهنود، أبو الحسن علي المدوي، مقالاً في مجلة الأخوان، ذكر فيه أن الطريقة قديمة، وموجودة في العديد من البلدان.

أما في العراق، فلم يكن المعلم الكبير للنقشبندية، سوى نائب الرئيس العراقي عزت ابراهيم الدوري، الذي دعم المحاولة الانقلابية لجماعة الإخوان في سورية في عام 1980، و"حملة العودة إلى الإيمان" التي نظًمها الرئيس صدام حسين، لإعطاء هوية لبلاده، بعد إنشاء الغرب منطقة حظر طيران في العراق.

وفي تركيا، لعبت الجماعة النقشبندية دورا أكثر تعقيدا لتشمل مسؤولين من مستوى فتح الله غولن (مؤسس الحزمة) إلى الرئيس طورغوت أوزال (1989-1993)، إلى رئيس الوزراء نجم الدين أربكان (1996-1997)، مؤسس حزب العدالة والتنمية (1961)، ورؤيا الملة (مللي غوروش Millî Görüş)، (1969).

وفي أفغانستان، كان الرئيس السابق صبغة الله مجددي (1992) هو المعلم الكبير.

حرضت الجماعة في روسيا، بمساعدة من الإمبراطورية العثمانية، في القرن التاسع عشر، على تمرد شبه جزيرة القرم، وأوزبكستان، والشيشان،وداغستان، ضد القيصر.

أما في الاتحاد السوفييتي، فقد بقينا حتى انهياره، من دون أي أخبار عن هذه الجماعة.

كذلك الأمر في شينغيانغ الصينية. التقرب من الإخوان أو النقشبندية نادرا ما كان يٌدَرسٌ في ضوء المعارضة المبدئية للإسلاميين للتصوف، والجماعات الصوفية عموماً.

JPEG - 27.8 كيلوبايت
المقر السعودي لرابطة العالم الإسلامي. كانت ميزانيتها في عام 2015 أعلى من ميزانية وزارة الدفاع السعودية، أكبر مشتري للأسلحة في العالم. تقتني السعودية الأسلحة التي توزعها الرابطة بدورها على منظمات الإخوان المسلمين والنقشبنديين.

حثت وكالة الاستخبارات المركزية CIA في عام 1962 المملكة العربية السعودية على إنشاء رابطة العالم الإسلامي، وتمويل كل من جماعة الإخوان، والنقشبنديين، ضد القوميين والشيوعيين. [3]

تتلقى هذه المنظمة تمويلها بالدرجة الأولى من شركة آرامكو ( Arabian -American Oil Company).

هناك من أصل عشرين عضواً مؤسساً، ثلاثة منظرين إسلاميين، سبق أن تحدثنا عنهم : المصري سعيد رمضان، والباكستاني أبو العلا المودودي، والهندي أبو الحسن علي المدودي.

أصبحت السعودية، بحكم الأمر الواقع، الأب الروحي للإخوان في العالم، نظرا لامتلاكها على حين غرة، سيولة مالية هائلة بفضل عائدات النفط.

بدأت المملكة تٌوكل لهم على ارض الواقع نظامها التعليمي، التربوي والجامعي، في بلد بالكاد تجد فيه من يفك الحرف. وكان على الأخوان واجب التأقلم مع مضيفيهم.

في الواقع، كانت مبايعتهم للملك تمنعهم من تقديم الولاء للمرشد العام.

لكنهم راحوا على أي حال، ينظمون أنفسهم حول محمد قطب، شقيق سيد قطب: الأخوان السعوديون من جهة، والسروريين sourouristes من جهة أخرى.

حاول هؤلاء السروريون، الذين هم أساساً سعوديون، التوليف بين الفكر السياسي الأخواني، والوهابية. هذا المذهب الذي تنتمي إليه العائلة المالكة، يتبنى تفسيراً للإسلام ينحدر من فكر بدوي متوحش، ومعاد للتاريخ.

كانت الرياض حتى حيازتها للبترودولار، تلقي باللعنة على المدارس الإسلامية التقليدية التي كانت، بدورها، تعتبرها هرطقة.

في الواقع، ليس هناك أي قاسم مشترك بين سياسة الإخوان، والدين الوهابي، لكنهما متوافقان، مع فارق أن الاتفاق الذي يربط عائلة سعود مع الدعاة الوهابيين لا يمكن أن يوجد مع الإخوان : فكرة النظام الملكي بقانون إلهي، كانت تصطدم مع شهية الأخوان للسلطة. لذلك كان من المتفق عليه أن يتعهد آل سعود بمساندة الإخوان في جميع أنحاء العالم، شريطة أن يمتنعوا عن التدخل في السياسة داخل المملكة العربية السعودية.

دعم الوهابيين السعوديين للإخوان، أثار منافسة إضافية داخل السعودية وخارجها، في الدولتين الوهابيتين، قطر، وإمارة الشارقة.

شارك الأخوان المسلمون من عام 1962 إلى عام 1970، في الحرب الأهلية في شمال اليمن، وحاولوا إلى جانب بريطانيا، والسعودية، إعادة تأسيس النظام الملكي ضد القوميين العرب، ومصر، والاتحاد السوفييتي، والتأسيس لصراع مهد لما سيأتي لاحقاً، بعد نصف قرن من الزمن.

في عام 1970، توصل جمال عبد الناصر إلى إيجاد اتفاق بين الفصائل الفلسطينية والملك حسين، ملك الأردن، أنهى " أيلول الأسود". لكنه توفي إثر نوبة قلبية مساء انعقاد قمة الجامعة العربية، التي صادقت على الاتفاق، والأرجح أنه قٌتل.

كان لعبد الناصر ثلاثة نواب : الأول يساري –يتمتع بشعبية فائقة- الثاني وسطي-مشهور جدا- أما الثالث فهو محافظ، تم وضعه في هذا المنصب بناء على طلب من الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية. إنه أنور السادات.

أعلن نائب الرئيس اليساري عن عدم أهليته لتولي منصب الرئاسة، إثر الضغوط التي مورست عليه.

فيما فضل نائب الرئيس الوسطي الانسحاب من السياسة. فتم تسمية السادات كمرشح للناصريين.

هذه المأساة تحصل في كثير من البلدان : يختار الرئيس نائباً له من بين منافسيه، من أجل توسيع قاعدته الانتخابية، لكن الأخير يحتل مكانه عندما يموت، فيدمر كل إرثه.

السادات، الذي كان قد خدم الرايخ خلال الحرب العالمية الثانية، وأعرب عن إعجابه الكبير بالفوهرر، هو عسكري محافظ، متشدد دينياً، كان بمثابة أنا ثانية لسيد قطب، وحلقة وصل بين الإخوان، والضباط الأحرار.

أطلق سراح الأخوان الذين سجنهم عبد الناصر بمجرد توليه السلطة. "الرئيس المؤمن"، هو حليف لجماعة الإخوان، بما يخص أسلمة المجتمع المصري ( "ثورة التصحيح")، وخصم الجماعة، عندما يحصل على منفعة سياسية.

تجسدت هذه العلاقة الغامضة من خلال إنشاء ثلاث مجموعات مسلحة، والتي لم تكن انشقاقات لجماعة الإخوان، بل وحدات خارجية تطيعها: حزب التحرير الإسلامي، الجهاد الإسلامي (الشيخ عمر عبد الرحمن)، التكفير و الهجرة (في "التكفير"). الجميع يقولون أنهم يطبقون تعليمات سيد قطب.

شن الجهاد الإسلامي المسلح من قبل المخابرات المصرية، هجمات ضد المسيحيين الأقباط.

اتهم "الرئيس المؤمن" الأقباط بإثارة الفتنة، فأمر بسجن البابا، وثمانية من أساقفتهم، ضارباً عرض الحائط بأي محاولة لتهدئة النفوس.

صار السادات في نهاية المطاف، يتدخل في سلوك جماعة الإخوان المسلمين، ويأخذ موقفاً إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي ضد المرشد العام، الذي زج به في السجن. [4]

وبناء على إيحاءات من هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة، اقنع السادات سورية بالانضمام إلى مصر في الهجوم على إسرائيل، واستعادة الحقوق الفلسطينية.

وضع الجيشان في 6 أكتوبر عام 1973، الدولة العبرية بين فكي كماشة، بينما كان الإسرائيليون يحتفلون بيوم الغفران Yom Kippour.

عبر الجيش المصري قناة السويس، فيما كان الجيش السوري يشن هجومه من مرتفعات الجولان.

مع ذلك، لم ينشر السادات إلا جزءا من غطاء دفاعاته الجوية، كما أمر بتوقف جيشه على بعد 15 كيلومتراً شرق القناة، مما أتاح للإسرائيليين الانفراد بالسوريين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين، فراحوا يصرخون، مؤامرة. [5]

إنه فقط، حين حركت إسرائيل قوات الاحتياط، وحوصر الجيش السوري، أمر السادات جيشه بالتظاهر في استئناف تقدمه، ثم أمره بالتوقف للتفاوض على وقف إطلاق النار.

راقب السوفييت خيانة مصر التي فقدوها كحليف مع وفاة عبد الناصر، فهددوا الولايات المتحدة، وطالبوها بوقف فوري للقتال.

JPEG - 25 كيلوبايت
وكضابط اتصال سابق لسيد قطب بين "الضباط الأحرار" والإخوان، تم الإعلان عن "الرئيس المؤمن" أنور السادات بوصفه "الخليفة السادس" من قبل البرلمان المصري. هنا، هذا المعجب بإدولف هتلر في مبنى الكنيست إلى جانب شركائه غولدا مئير وشمعون بيريز.

توجه السادات بعد أربع سنوات- تنفيذاً لمخطط وكالة الاستخبارات المركزية- إلى القدس، وقرر توقيع سلام منفرد مع إسرائيل، على حساب الفلسطينيين. وأصبح التحالف بين الإخوان وإسرائيل، أمراً راسخاً منذ ذلك التاريخ.

استهجنت الشعوب العربية برمتها الخيانة المصرية، فاستُبعدت مصر من جامعة الدول العربية، التي نقلت مقرها إلى العاصمة التونسية.

JPEG - 21.7 كيلوبايت
نظم مسؤول الجهاز السري لجماعة الأخوان المسلمين، أيمن الظواهري (القائد الحالي للقاعدة) عملية اغتيال الرئيس السادات (6 أكتوبر 1981).

قررت واشنطن فتح صفحة جديدة عام 1981. فكلفت حركة الجهاد الإسلامي بتصفية السادات، الذي لم يعد له أي فائدة، فاغتيل خلال عرض عسكري، بينما كان مجلس الشعب المصري يستعد لإعلانه " سادس الخلفاء الراشدين".

قُتل سبعة أشخاص على المنصة الرسمية، وأصيب 28 آخرين، لكن الذين كانوا جالسين بجوار الرئيس، نائب الرئيس الجنرال حسني مبارك، نجا من الموت، لأنه كان الشخص الوحيد الذي يرتدي سترة مضادة للرصاص.

حلً مبارك" مكان الرئيس المؤمن"، وصار بالإمكان إعادة جامعة الدول العربية إلى القاهرة.

(يتبع…)

ترجمة
سعيد هلال الشريفي

[1] America’s Great Game: The CIA’s Secret Arabists and the Shaping of the Modern Middle East, Hugh Wilford, Basic Books (2013).

[2] A Mosque in Munich: Nazis, the CIA, and the Rise of the Muslim Brotherhood in the West, Ian Johnson, Houghton Mifflin Harcourt (2010).

[3] Dr. Saoud et Mr. Djihad. La diplomatie religieuse de l’Arabie saoudite, Pierre Conesa, préface d’Hubert Védrine, Robert Laffont (2016). English version: The Saudi Terror Machine: The Truth About Radical Islam and Saudi Arabia Revealed, Skyhorse (2018).

[4] Histoire secrète des Frères musulmans, Chérif Amir, préface d’Alain Chouet, Ellipses (2015).

[5] هنا رأي المؤلف يجافي الحقيقة. كيف لهنري كيسنجر أن يدفع العرب، لاسيما سورية، إلى حرب ضد إسرائيل وهو المهووس بالدفاع عنها. سورية كانت تعد جيشها وشعبها لتحرير أرضها منذ إعتلاء الرئيس حافظ الأسد سدة الحكم عام 1970، وحربها في تشرين 1973، كانت حرب تحرير، وليس تحريك. المترجم

تييري ميسان

تييري ميسان مفكر فرنسي، رئيس ومؤسس شبكة "Réseau Voltaire" ومؤتمر محور للسلام . نشر تحليلات حول السياسة الغربية في الصحافة العربية، والأميركية اللاتينية، والروسية. أحدث كتاب له باللغة الفرنسية: الكذبة الكبرى: المجلد رقم 2، التلاعب والمعلومات المضللة (منشورات ب. برتان، 2007)

 
شبكة فولتير

فولتير: النسخة العربية

المقالة مرخص لها بموجب المشاع الإبداعي

يمكنكم إعادة نشر مقالات شبكة فولتير شرط ذكر المصدر وعدم التعديل فيها أو استخدامها لتحقيق الربح التجاري (رخصة CC BY-NC-ND).

Soutenir le Réseau Voltaire

Vous utilisez ce site où vous trouvez des analyses de qualité qui vous aident à vous forger votre compréhension du monde. Ce site ne peut exister sans votre soutien financier.
Aidez-nous par un don.

كيف تشارك في شبكة فولتير؟

إن جميع القيمين على الشبكة هم من المتطوعين.
-  المترجمون المحترفون: . يمكنك المشاركة عبر ترجمة المقالات